خليل الصفدي
387
أعيان العصر وأعوان النصر
فيه نجاسة غير معفو عنها ، فهو نجسن لا خلاف فيه ، فعلم من هذا قوله : الصواب الجزم بطهارته باطل ، وكان صوابه أن يقول : ما شك في كثرته ، ووقعت النجاسة فيه ، ولو فرضه لذلك ، وهو مراده بحكمه بأن الصواب الجزم بطهارته غير صواب ، بل الصواب : الحكم بالنجاسة ؛ لأن النجاسة محققة ، وبلوغ الماء قلتين الأصل عدمه ، ولا يجوز للآخذ بالاستصحاب مع نفس ما يعارضه ، وهو نفس وقوع النجاسة ، إذا لا خلاف في أن شرط الاستصحاب عند القائلين به أن لا يقطع بوجود المنافي له . وقوله : لا يلزم من النجاسة التنجيس ، إنما هو في نجاسة معفو عنها ، لاقت ماء كثيرا ولم يتغير ، وليس الكلام في ذلك ، إذ كثرة هذا الماء مشكوك فيها ، بل ملاقاة النجاسة سبب للتنجيس ، وقضية السبب إعماله إلا لمانع ، والأصل عدم المانع وهو الكثرة ، فصار في جانب التنجيس أصلان : عدم بلوغ الماء قلتين ، وإعمال السبب الثاني الذي هو النجاسة ، ومن جانب الطهارة أصل مستصحب مع يقين ما يعارضه ، واستصحاب مثل هذا ممنوع ، فصار الظاهر الحكم بالنجاسة ، وملاقاة النجاسة محسوسة ، فتصير هذه الصورة كالغدير مع الظبية التي بالت فيه ، ووجد الماء متغيرا ، واحتمل التغير بول الظبية وطول المكث ، وقد نص الشافعي على نجاسته ، وقطع به جمهور الأصحاب ، ومع هذا البحث الراجح الواضح كيف يقول : الصواب الجزم بالطهارة ، فلا الصواب الجزم بالطهارة ، ولا الظاهر فضلا عن الجزم ، وقد قال الغزالي « 1 » في الوسيط : الأصل بقاء النجاسة ، إلى أن يتبين الكثرة الدافعة ، أو يقال الأصل طهارة الماء إلى أن يستيقن الصنان . والاحتمال الأول أظهر ، فلو أصاب النووي لم يعتقد الجزم بالطهارة ، بل لو تردد معذورا ، مع أن الصواب الجزم بالنجاسة ، لكنه وقف به نظره أو وقفه ، وإنما بسطت وأسهبت ؛ لئلا يغلو فيه غر . قال شيخنا العلامة شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي - رحمه اللّه تعالى - : أما المناقشة في لفظ قليل فصحيحة ، وكان الأولى حذفها ، لكنه تجوز فيها ، واستصحب اسم القليل مع الشك ، أو لأنه يعد في العرف قليلا ، وإن لم يكن في الشرع كذلك ، والإمعان في الحكم بنجاسته ، إذا كان قليلا لا معنى له ، إذ لا نزاع فيه وليس بمراد ،
--> ( 1 ) الغزالي هو : محمد بن محمد الطوسي ، أبو حامد ، حجة الإسلام ، فيلسوف متصوف له نحو مائتي مصنف ، مولده سنة 450 ه ، في الطابران بخراسان ، ووفاته بها سنة 505 ه ، رحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد فالحجاز فبلاد الشام فمصر ، وعاد إلى بلدته . من كتبه : « إحياء علوم الدين » و « المنقذ من الضلال » و « تهافت الفلاسفة » و « مقاصد الفلاسفة » . ( انظر : وفيات الأعيان : 2 / 66 ، وابن خلدون : 4 / 320 ، وابن الأثير : 10 / 62 ، وابن الوردي : 2 / 4 ) .