خليل الصفدي
380
أعيان العصر وأعوان النصر
أبي ، معشر « 1 » قدرا وهي أجود ما يعرفه ، وخيار دينار يخرجه من كيس معرفته ويصرفه ، والحظوظ ما تعلل ، والدنيا ما تحتاج إلى تاج بالفضائل مكلل . ولم يزل في إسعاف وإسعاد ، وإلطاف وإصعاد ، إلى أن وصل إلى غاية ما قدّر له من عمره ، وأعرب بعد رفعه ونصبه بجره ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - بطرابلس بكرة السبت الرابع من شهر رمضان سنة ست وعشرين وسبع مائة . كان هو أولا بصفد ، وله أخوان تاجران أحدهما برهان الدين إبراهيم ، وهو أوجه تاجر كان في صفد ، والآخر يدعى يونس تاجر سفار ، وتعلّق هذا زين الدين بهذه الصناعة ، وتردد إلى شيخنا نجم الدين بن الكمال الصفدي ، وقرأ عليه بعض شيء في العربية ، وتدرّب به ، وكان ذهنه جيدا ، وصار يكتب الدرج عنده ، فلما ورد الأمير بتخاص إلى صفد نائبا ، كان معه الشيخ شهاب الدين أحمد بن غانم ، فانضم زين الدين إليه في الباطن ، واستبدّ شهاب الدين بالوظيفة ، وانفرد الشيخ نجم الدين بالخطابة ، ثم اتفقوا عليه ، وأخرجوه من صفد ، فتوجّه إلى دمشق ، وما كان إلا قليلا ، حتى اتّفق القاضي شرف الدين محمد بن النهاوندي « 2 » الحاكم بصفد هو وزين الدين علي شهاب الدين بن غانم ، وأوقعا بينه وبين النائب ، وكتب النائب إلى مصر ، وأحضر لزين الدين توقيعا بكتابة سر صفد ، وانفرد بالوظيفة . وكان فيه مروءة وعصبية ، وسعة صدر في قضاء أشغال الناس ، والمبادرة إلى نجاز مرادهم ، ومساعدتهم على ما يجادلونه ، وأنشأ جماعة في صفد من أجنادها وغيرهم ، وكان ذا خبرة وسياسة ، ومداخلة في النواب واتحاد بهم ، حتى لم يكن لأحد معه حديث ، وكان هو المتصرّف في ، وانتمى إلى القاضي علاء الدين بن الأثير فمال إليه ، ولما جاءه خبره من طرابلس بكى عليه ، ولو أن زين الدين كان حيّا لما انفلج ابن الأثير ما كان كاتب السر في باب السلطان غيره ، ولما قال له السلطان : من يصلح لهذا المنصب ؟ قال : أما في مصر فما أعرف أحدا ، وأما في الشام فما كنت أعرف أحدا غير ابن حلاوات ، وقد مات .
--> ( 1 ) أبو معشر الفلكي هو : جعفر بن محمد بن عمر البلخي ، أبو معشر . عالم فلكي مشهور ، كان أولا من أصحاب الحديث ، وتعلم النحو بعد سبع وأربعين سنة من عمره ، قال القفطي : عالم أهل الإسلام بأحكام النجوم ، وكان من أعلم الناس بتاريخ الفرس ، وأخبار سائر الأمم ، وعمر طويلا وجاوز المائة ، أقام زمنا في بغداد ومات بواسطة سنة 272 ه . من تصانيفه « كتاب الطبائع » و « المدخل الكبير » و « مواليد الرجال والنساء » . . . وغير ذلك كثير . ( انظر : الفهرست لابن النديم : 1 / 277 ، والقفطي : 106 ، وابن خلكان : 1 / 112 ، ودائرة المعارف الإسلامية : 54 ) . ( 2 ) أورد المصنف له ترجمة في موضعها .