خليل الصفدي

348

أعيان العصر وأعوان النصر

ولما شاع عنه كثرة الهجو ، طلب القاضي نجم الدين بن صصرى « 1 » ديوانه وتذكرته من خانقاه الشميساطي ، وكشط من ذلك أهاجي الناس ، ولم يقدر على استيعاب ذلك ، فإنني وجدت له بعد ذلك بخطه كثيرا . وكان شيخا مسنّا ، وله ذؤابة بيضاء ، إلى أن مات ، ونقلت من خطه له : ( الكامل ) يا عائبا منّي بقاء ذؤابتي * تاللّه قد أفرطّت في تعييبها قد واصلتني في زمان شبيبتي * فعلام أقطعها أوان مشيبها قلت : نقل هذا من الحكاية التي تحكى عن بعض الوعّاظ ، أنه طلع المنبر ووعظ ، والسلطان قد حضر ميعاده على كراهية له ، وهو يتكلم والمقصّ إلى جانبه ، والطواقي والناس يصعدون إليه ، ويتوبون على يديه ، فيقص شعورهم ويلبسهم الطواقي ، فما كان إلا أن طلع إليه بعض خواص السلطان ممن يحبه ويهواه ، وله ذؤابة سوداء مليحة طويلة ، فتغيّر السلطان ، وقال لمن يعز عليه : واللّه إن قطع شعر هذا المملوك لأقطعن يده ، فلما صعد إلى الواعظ علم ، أنه قد وقع في خطر ، فأخذ شعره في يده ، وأخذ يفكر في خلاصه من تلك الورطة ، وشغل المجلس بأشعار وحكايات ، ثم قال : يا جماعة ! أتدرون ما يقول لسان حال هذه الذؤابة ، فقالوا له : ما يقول ؟ قال : يقول : أنا كنت معه في زمن المعصية باللّه ، لا تفرق بيني وبينه في زمن الطاعة ، انزل روح يا سيدي ، فأعجب السلطان ذلك والناس ، ووقع كلامه منهم بموقع جد . وإنما سمي علاء الدين الوداعي ؛ لأنه كان يكتب للصاحب علاء الدين بن وداعة ، ولذلك قال ، ونقلته من خطه : ( الكامل ) ولقد خدمت الصّاحب أب * ن وداعة دهرا طويلا فلقيت منه ما التقى * أنس وقد خدم الرّسولا وأنشدني شيخنا شمس الدين الذهبي قال : أنشدنا المذكور من لفظه لنفسه ، ونقلته أنا من خطه : ( البسيط ) من زار بابك لم تبرح جوارحه * تروي محاسن ما أوليت من منن

--> ( 1 ) ابن صصرى هو : أحمد بن محمد بن سالم أبو المواهب نجم الدين بن صصرى ، قاض من الكتاب ، له نظم وكان من العلماء بالحديث ، من أهل دمشق ، عمل في دار الإنشاء ، ولي القضاء سنة 702 ه ، إلى أن مات بحماه سنة 723 ه ، ولشعراء عصره مدائح كثيرة فيه ، ورثاه بعد موته شهاب الدين محمود وآخرون . وأورد بن شاكر أبياتا منسوبة إليه ، فيها رقة ، وخرج له العلائي مشيخة . ( انظر : فوات الوفيات : 1 / 62 ، والدرر الكامنة : 1 / 263 ، والبدر الطالع : 1 / 106 ) .