خليل الصفدي

342

أعيان العصر وأعوان النصر

وعزل من الحسبة سنة تسع وخمسين بالقاضي عماد الدين الشيرجي ، ثم تولاها في شوال سنة اثنتين وستين وسبعمائة ، ثم إنه لما أثقل حاله في المرض ، نزل عنها من ذاته ، وخلف عدة من الأولاد الذكور وغيرهم ، واشتملت تركته على ثلاثمائة ألف درهم ، ما بين عين وأملاك ومجلّدات ، وغير ذلك . كان لي تنوّر قد تعطل في أيام حسبته الأولى ، فكتبت أنا إليه في الثامن من شهر ربيع الآخر سنة سبع وخمسين وسبعمائة : ( البسيط ) يا سيّدا هو بالإحسان محتسب * أجرا يوازنه في الحشر ثهلان أشكو إليك من التّنّور عطلته * وأنت في العلم والإفضال طوفان فكتب هو الجواب إليّ عن ذلك : ( البسيط ) يا سيّدا هو في الأفضال مبتدأ * وفي البلاغ والآداب سحبان « 1 » عجبت من طلعة التّنّور * لو جاء أمرك لي وافاه طوفان 1237 - علي بن محمود بن إسماعيل بن معيد « 2 » الأمير ، علاء الدين البعلبكي . كان شكلا طوالا جسيما ، لم ير له مثالا ، بدينا إلى الغاية ، بديلا من الفيل في العظم والنهاية ، إلا أنه كان من رجالات الناس رئاسة ، ودربة وخبرة ومعرفة وسياسة ، خبيرا بالأمور ، ومعالجة الجمهور دون دهاء وخداع ، وملقه ملق واتضاع ، خدم الناس وتقدّم ، وتقرّب إليهم فأحمد عقبى ذلك وما تندّم ، فانتقل من الجندية إلى إمرة العشرة ، ثم إلى الطبلخانات والولايات المشتهرة ، وولي نظر الأوقاف بدمشق مدة ، ثم تولى القبلية ويده إلى أعلى من ذلك ممتدة ، وكان تنكز يحبه ؛ لمعرفته ويقرّبه ، ويوليه لدرايته ودربته . ولم يزل في صعود ومراقي سعود ، إلى أن مرض بالقبلية ، وقدم إلى دمشق فطالت علّته ، ولم تستد بالعلاج خلّته ، ونشرت له من الكفن حلّته ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في

--> ( 1 ) سحبان هو : بن زفر بن لإياس الوائلي من باهلة ، يضرب به المثل في البيان والخطابة ، يقال : أخطب من سحبان ، وأفصح من سحبان ، اشتهر في الجاهلية وعاش زمنا في الإسلام ، وكان إذا خطب يسيل عرقا ور يعيد كلمة ولا يتوقف ولا يقعد حتى يفرغ ، أسلم في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يجتمع به وأقام في دمشق أيام معاوية رضي اللّه عنه ، وله شعر قليل وأخبار . توفي في سنة 54 ه . ( انظر : بلوغ الأرب للآلوسي : 3 / 56 ، وتهذيب ابن عساكر : 6 - 65 ، وخزانة الأدب للبغدادي : 4 / 347 ، ومجمع الأمثال : 1 / 167 ) . ( 2 ) انظر : الدرر الكامنة : 4 / 288 .