خليل الصفدي

336

أعيان العصر وأعوان النصر

الدين مغلطاي الجمالي الوزير ، ولما مات خدم عند الأمير سيف الدين طغاي تمر صهر السلطان الملك الناصر ، واشتهر في مصر بالكفاية والأمانة ، ولما مات جهّزه السلطان إلى الكرك ناظرا ، فتقلّق من ذلك ، وحضر إلى مصر ، فخدم عند الأمير سيف الدين قوصون مدة يسيرة ، ثم إن السلطان جهّزه إلى دمشق وزيرا ؛ عوضا عن الصاحب أمين الدين ، فباشرها مباشرة حسنة بعفة وصلف زائد ، وجاء الفخري ، وجرى ما جرى ، فقام له بكل ما أراد ، ومنعه من أشياء كان يريد فعلها من مصادرة الناس ، فقال له : مهما أردت عندي ، وتوجّه معه إلى مصر ، وطلب الإقالة ، فرتب له مرتّب ، وأقام مدة على ذلك . ثم إن الكامل شعبان طلبه جهزه إلى دمشق وزيرا ثانيا ، فلما وصل إليها اتفق خروج يلبغا على الكامل ، وحضر إليه النواب من أطراف الشام ، وأراد لهم نفقات وكلفا كثيرة ، فقام لهم بذلك المهم وسدّه ، ولم يمكن يلبغا من التعرض إلى أموال الناس ، وتوجه لمصر ، وعمل تقديرا للشام ، وحضر وهو على يده ، فلم يمش له حال فطلب الإقالة ، وتوجه إلى القدس ، وانقطع به ، ثم حضر للحوطة على موجود يلبغا فضبطه وحرره ، وعاد إلى القدس منقطعا إلى اللّه تعالى . وكان به فتق فعظم وتزايد ، وكان في عانته ، فلم يزل ينمو إلى أن كان يعلقه في فوطة إلى عنقه ، وتفاقم أمره في ذلك الفتق ، إلى أن قتله - رحمه اللّه تعالى - . وفي هذه المرات التي يحضرها إلى دمشق لم يوسع له دائرة ، ولا اتخذ مماليك ولا جواري ولا خدام ، ولا فعل ما يجب لمثل هذه الوظيفة من البذخ والخدم والحشم ، بل له غلام يحمل الدواة ، وغلام للخيل ، وغلام يطبخ له ويغسل لا غير ، وإذا خلا سمع الحديث ، أو طالع في مجلدات عنده . ولما أن توفي السلطان الملك الناصر ، جلس ولده المنصور أبو بكر « 1 » ، وحلف عسكر دمشق ، وقد كانت العادة أنه في مثل هذا الواقع يخلع على الموقعين وعلى كتاب الجيش ، كما فعل في كل مرة قبل هذه ، فتحدّث الجماعة معه في ذلك ، فوعد بذلك ، واجتمعت أنابه في ذلك ، فقال : أنا ما ألبس تشريفا حتى يلبس الجماعة تشاريفهم ، فكتبت أنا إليه بعد ذلك : ( الطويل ) مماليك مولانا الوزير جماعة * لهم بتشاريف المليك غرام ولا غرو أن هاموا بها في حدائق * لأنّهم بالمدح فيك حمام

--> ( 1 ) انظر : الزهور 1 / 176 والسلوك لمقريزى 2 / 546 ه .