خليل الصفدي

331

أعيان العصر وأعوان النصر

الطريق قبل وصوله ، ولم يقبض ابن الدريهم فيه فلسا من وصوله . وجاء الخبر بوفاته - رحمه اللّه تعالى - في صفر سنة اثنتين وستين وسبعمائة . ومولده ليلة الخميس منتصف شعبان سنة اثنتي عشرة وسبع مائة بالموصل . سألته عن مولده ، فأخبرني بما أثبته ، وقال لي : قرأت القرآن بالروايات على الشمس أبي بكر ابن العلم سنجر الموصلي ، وتفقّهت على الشيخ زين الدين ابن شيخ العوينة الشافعي . وحفظت الهادي ، وبحثت الحاوي الصغير على الأشياخ ، منهم : القاضي شرف الدين عبد اللّه بن يونس من شرح والده كمال الدين الصغير . وحفظت في العربية الملحة ، وألفية ابن معط ، وألفية ابن مالك ، وبحثت في التسهيل ، وقرأت شيئا كثيرا من الرياضي على الشيخ زين الدين ابن الشيخ العوينة . وسمع بالديار المصرية على الشيخ علاء الدين بن التركماني ، وشمس سنن الدين بن الأصفهاني ، ونور الدين الهمذاني صحيح البخاري ، وسمعت بها صحيح مسلم ، وسنن أبي داود ، وبعض الترمذي ، وأجازني الشيخ أثير الدين أبو حيان ، وقرأت عليه بعض تصانيفه ، وأجازني جماعة أشياخ . وتوفي والده ، وهو صغير خلف نعمة طائلة ، فاستولى عليها بيت شيخ البلد بالموصل كمال الدين ، ومعين الدين بن الريحاني ، ولم يطلعوه منها إلا على القليل ، وانتشأ يتيما ، وهو بنفسه وهمّته يجتهد ، ويشتغل في العلم ، ولم يكن له من يحرّضه على ذلك ، ثم إنه لما اشتد تسلّم مقدارا يسيرا من ماله من بيت شيخ البلد ، وسافر به إلى الشام ومصر ، وحصل من ذلك ثروة عظيمة ثم ذهبت . قلت : أول قدومه إلى مصر في متجر في زي الخواجية سنة اثنتي ، أو ثلاث وثلاثين وسبعمائة ، ثم إنه عاد إلى البلاد ، وتردد بعد ذلك إلى الشام ومصر غير مرة ، ولم أر أحدا أحد ذهنا منه في الكلام على الحروف وخواصها ، وما يتعلق بالأوفاق وأواضعها ، ورأيت منه عجبا ، وهو أنه يقال له ضمير عن شيء يكتبه السائل بخطه ، فيكتبه هو حروفا مقطّعة ، ثم يكسّر تلك الحروف على الطريقة المعروفة عندهم ، فيخرج الجواب عن ذلك الضمير شعرا ليس فيه حرف واحد ، خارجا عن حروف الضمير ، وكونه يخرج ذلك نظما قدرة على تأليف الكلام ، وله مشاركة في غير ما علم من فقه وحديث ، وأصول دين ، وأصول فقه ، وقراءات ومقالات ، ومعرفة فروع من غير مذهب ، وتفسير وغير ذلك ، يتكلّم فيه جدا كلام من ذهنه حاد وقاد ، وأما الحساب والأوفاق ، وخواص الحروف ، وحل المترجم والألغاز والأحاجي ، فأمر بارع ، وكذلك النجوم وحل التقويم . واجتمعت به غير مرة