خليل الصفدي
310
أعيان العصر وأعوان النصر
ولما عاد السلطان من الكرك ، وتولى أرسلان الدوادارية ما شك ، هو ولا غيره أن كتابة السر تتعداه ، ولا أن الملك يضطلع بغيره ويتحداه ، فما قدر اللّه له ذلك ، ولم يجئ حساب الدهر هنالك ، ولكنه كان يوقع في الدست بين يدي السلطان إلى آخر وقت ، والسلطان يضمر له البغض والمقت ، ويقول إذا رآه من بعيد : سبحان الرازق ، هذا يأكل رزقه على رغم أنفي وأنف الخلائق . وكان القاضي علاء الدين حسن الشكل ظريف العمامة ، نظيف الملبوس ظاهر الوسامة ، طيب الرائحة ، يعم مجلسا يكون فيه بهباته الفائحة ، يكتب خطا فائقا من أين للعقود اتساقه ، وللروض اليانع زهراته التي تضمنها أوراقه ، قلّ أن اجتمعت مفرداته في غيره ، أو بلغ مترفع في الجو مطار طيره ، وإليه كانت الرياسة في زمانه ، وإياه عنى مداح عصره وأوانه . ولم يزل في توقيع الدست ، إلى أن اجتث منه الدهر جرثومة الرئاسة ، وأخلى مصره من السيادة والنفاسة ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - يوم الخميس في الرابع من شهر رمضان سنة سبع عشرة وسبعمائة . وكتب الإنشاء في الدولة المنصورية ، وعمره إحدى عشرة سنة ، سنة ست وثمانين وستمائة ، وكان الملك الناصر يكرهه لكونه قد اختص بالأمير سيف الدين سلار . أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه قال : قال لي السلطان الملك الناصر : ما كرهته لأجل شيء ، وإنما خان مخدومه - يعني سلار - ؛ لأنه استكتبه شيئا ، واستكتمه إياه ، فجاء إليّ وعرّفني به ، وأخبرني أيضا أن السلطان لما جاء من الكرك قال للأمير عزّ الدين الدوادار : الساعة يجيء إليك طعام من عند علاء الدين بن عبد الظاهر ، فأقبله منه ، فلم يكن قليل حتى جاءه ذلك فقبله ، وعرف به السلطان ، فقال له السلطان : الساعة يبعث إليك خرفانا وأرزا وسكرا ، ويقول : يا خوند ، أنا ما عندي من يطبخ ما يصلح لك ، دع مماليك يشوون لك هذا ، فما كان إلا عن قليل ، حتى جاء ذلك فأخذه ، وعرف السلطان به ، فقال : الساعة يجهز إليك ذهبا ، ويقول : هذا أريده يكون وديعة في خزانة الأمير ، فإنه أحرز عنده من بيتي ، فما كان إلا أن جرى ذلك ، وقال : يا خوند ، قد بعت لي ملكا ، وأخاف أن يسرق ثمنه ، وقد أرصدته للحجاز ، وأريد أن يكون في خزائنك ، فأخذ الورقة وعرضها على السلطان ، فقال له السلطان : اكتب في قفاها : يا علاء الدين ، نحن ما نغيّر شرف الدين بن فضل اللّه ، وإن غيرناه فما نولي إلا علاء الدين بن الأثير ، فوفّر ذهبك عليك ، وخله عندك . وللعلامة شيخنا شهاب الدين محمود فيه أمداح كثيرة ، ولما مات رثاه بقصيدة طنانة ،