خليل الصفدي
308
أعيان العصر وأعوان النصر
صنّف وأفتى ، وناب في الحكم بالشارع خارج القاهرة ، واشتغل الناس عليه طائفة بعد طائف ، واختصر المحرر في الفقه ، والمحصول في الأصول مختصرين ، كبيرا وصغيرا ، واختصر كشف الحقائق في المنطق ، وصنّف في الفرائض والحساب ، وردّ على ما بيد اليهود من التوراة ، وردّ على ذلك اليهودي الذي سأل الفتيا نظما ، وقد تقدمت في ترجمة الشيخ علاء الدين القونوي ، وعمل وكان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد يقول : العلاء يطلق عليه عالم ، وحضر درسه في المدرسة الصالحية ، فوقع بحث في كلام الغزالي في الوسيط ، فقال الباجي : الغزالي عدّل في العبارة المقتضية كذا ، حتى لا يرد عليه كذا ، وهذا العبارة التي قالها يردّ عليها خمسة عشر سؤالا وسردها ، فقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد : كم سنّك ؟ فقال : كذا ، فقال : وهذا كله حصلته في هذا السن . وقال الفاضل كمال الدين الأدفوي : قال شيخنا العالم الثقة نجم الدين الأصفوني : حضرت درس الشيخ تقي الدين ، فقال : يا فقهاء ، جاء شخص يهودي ، ويطلب المناظرة ، فسكت الناس ، وقال الباجي : أحضروه ، فنحن بحمد اللّه مليّون بدفع هذه الشّبه ، وقال لي - رحمه اللّه تعالى - لما أحضروا ابن تيمية طلبت في جملة من طلب ، فجئت لقيته يتكلم ، فلما حضرت قال : هذا شيخ البلاد ، فقلت : لا تطريني ما هنا إلا الحق ، وحاققته على أربعة عشر موضعا ، وغير ما كان كتب به خطه . وكان أخيرا قد نسب إليه كلام ، واختفى بسببه مدة ، وكان له ابنان فاضلان تكلما عنه ، ثم إنه تقشّف ، وصار بفرجية مفتوحة لطيفة ، وعمامة بكراثة لطيفة جدا لا تكاد تظهر ، وتولى تدريس السيفية ، وكان معيدا بالمنصورية والصالحية . ورأيت أنا شيخنا الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين السبكي يعظّمه كثيرا إلى الغاية ، ويثني على فضائله المنوّعة ، وكان قد ولي وكالة بيت المال بالكرك في الأيام الظاهرية ، وقال شيخنا البرزالي : أجاز لنا جميع ماله روايته . وأنشدني قاضي القضاة تقي الدين السبكي من لفظه أبياتا رثاه بها ، ومنها : ( الطويل ) فلا تعذليه أن يبوح بسرّه * على عالم أودى بلحد مقدّس تعطّل منه كلّ درس ومجمع * وأقفر منه كلّ ناد ، ومجلس ومات به إذا مات كلّ فضيلة * وبحث وتحقيق وتصفيد مبلس وإعلاء دين اللّه إن يبد زائغ * فيخزيه أو يهدي بعلم مؤسّس وكان شيخنا العلامة أثير الدين أبو حيان يثني عليه كثيرا ، أخبرني قال : قرأ عليه يسيرا من مختصره في أصول الفقه ، وسمع عليه دروسا ، وأنشدني من لفظه لنفسه : ( الوافر )