خليل الصفدي
303
أعيان العصر وأعوان النصر
سمع حضورا من البهاء عبد الرحمن ، وسمع من ابن صباح ، وابن اللّتيّ ، والإربلي ، وجعفر الهمداني ، ومكرم ، وموسى بن محمد صاحب دمشق « 1 » ، وفي الرحلة من ابن رواج ، وابن الجميزي ، والحافظ المنذري عبد العظيم وعدة ، وعني بالحديث وضبطه ، وبالفقه واللغة ، وحصل الكتب النفيسة . وكان في وقته عديم النظير في بابه ، ليس له مشارك في عشرته لأصحابه ، حسن الملقى بلا ملق ، جاريا في سجيته على المكارم كم انطلى لما انطلق ، دينه متين ، وهديه مبين ، كثير الهيبة ، يحفظ أصحابه في الحضور والغيبة . يحفظ كثيرا من الأحاديث بلفظها ، ويفهم معانيها ، ويعرف كثيرا من اللغة كان أصمعي بواديها ، وكان فصيح العبارة لطيف الإشارة ، له قبول كثير من الناس ، وعليه أنس زائد ولباس عار من الإلباس ، ومن جملة ما له من السعادة ، أنه أحرز في شهر رمضان الشهادة ؛ لأن موسى الفقير المصري الناشف ضربه بسكين ، فقضى عليه ، وتوجّه وقد توجه علمه ، وعمله المبرور بين يديه . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في ليلة الجمعة من شهر رمضان سنة إحدى وسبعمائة . قال شيخنا الذهبي - رحمه اللّه تعالى - : انتفعت به يعني بصحبته ، وأكثرت عنه ، وقال شيخنا البرزالي : دخلت بعلبك أربع مرات ، قرأت عليه فيها مسند الشافعي رضي اللّه عنه ، والثقفيات العشرة ، ومشيخة تخريج الشيخ شمس الدين بن أبي الفتح ، وهي ثلاثة عشر جزءا ، وسنن الشافعي رواية الطحاوي ، وعمن المزني ، ونحوا من عشرين جزءا . وكان يقدم دمشق ، وفي كل مرة نسمع عليه ، ونستفيد منه ، كان قد قدم دمشق في شعبان ، فحصل الأنس به والسماع عليه ، وتوجه إلى بلده في آخر الشهر ، فوصل أول شهر رمضان ، وأقام أياما ، ولما كان يوم الجمعة في الخامس من شهر رمضان الرابعة دخل إلى خزانة الكتب التي في مسجد الحنابلة ، فدخل هذا الفقير موسى المصري ، فضربه بعصا على رأسه ضربات ، ثم أخرج سكينا صغيرة ، فجرحه في رأسه فاتقى بيديه ، فأمسك وحمل إلى والي البلد ، وضرب فأظهر الاختلال في عقله وتجانن ، وحمل الشيخ إلى داره ، وأتم صومه يومه ، ثم إنه حصل له حمّى ، واشتد مرضه إلى يوم الخميس ، دخل إلى - رحمة اللّه تعالى - في الساعة الثامنة ، ودفن بباب سطحا ، وتأسّف الناس عليه .
--> ( 1 ) موسى بن محمد هو : الملك الأشرف موسى بن العادل ، المتوفى في سنة 635 ه . ( انظر : سير أعلام النبلاء : 22 / 122 ) .