خليل الصفدي

27

أعيان العصر وأعوان النصر

ولم يزل على حاله إلى أن ذوى ينعه ، وغاض من الحياة نبعه ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في شهر رمضان سنة تسع وأربعين وسبعمائة في طاعون دمشق . ومولده في عشرين من شهر ربيع الآخر سنة ست وعشرين وسبعمائة . كان في الحمّام فبصق دما ، فخرج من الحمام ، وقد أيقن بالهلاك ، ودار على أصحابه وودعهم ، ويقول لكل واحد منهم : لا أوحش اللّه منكم ، قد بصقت وأنا ميّت ، وتأسّف الناس على فقده . ومما قلت أنا في ذلك الوقت : ( الكامل ) يا رحمتا لدمشق من طاعونها * فالكلّ مغتبق به أو مصطبح كم هالك نفث الدّما من حلقه * أو ما تراه بغير سكّين ذبح 966 - عبد الرحمن بن محمد بن علي « 1 » ابن عبد الواحد الصدر الفقيه القاضي تقي الدين ابن الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام كمال الدين بن الزملكاني الشافعي . كان في حل المترجم آية ، وفي حل الألغاز غاية ، وما عدا ذلك فهو منه عري ، ومما كان يعرفه والده بري ، وخطه لا يرضى به تعيس أن يكون حظه ، وذهنه في غير ما ذكرته لا يفهم به لفظه . على أنه كان ينظم ولكن خرزا ، ويدع الطرس بذلك من خطه صعيدا جرزا ، ولكن كان سليم الطباع ، جيد الصحبة لطيف الاجتماع ، ينفعل لأصحابه ، ويوافق كلا منهم على آرائه ، وجوده متدفّق ، وبذله لما في يده غير مترفّه ولا مترفّق . ولم يزل على حاله إلى أن فارق الأوطان ، ونزح من الأعطان ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في سنة تسع وثلاثين وسبعمائة بدمشق . وطلبت أنا من الديار المصرية في أيام الأمير سيف الدين تنكز بوساطة القاضي شهاب الدين بن القيسراني في المرة الثانية ، ولما جئت رتبت مكانه في ديوان الإنشاء ، وكان هو - رحمه اللّه - قد توجّه صحبة والده إلى الديار المصرية ، ولما توفي والده في بلبيس دخل هو القاهرة ، ودفن والده ، وكان والده قد عمل سيرة مليحة للسلطان الملك الناصر محمد فدخل وقدّمها ، وساعده الناس ؛ إكراما لأبيه ، وعضده الأمير سيف الدين الجاي الدوادار ، فرسم له بتدريس المسرورية ، وبأن يكون في جملة كتاب الإنشاء بدمشق ، فدخل إليها ، وأهل دمشق إما أقاربه أو تلاميذ والده ، وإما أصحابه فرعوه لذلك .

--> ( 1 ) انظر : وفيات ابن رافع : 1 / 70 ، والدرر الكامنة : 2354 ، والدارس : 1 / 348 .