خليل الصفدي
237
أعيان العصر وأعوان النصر
موضع المضمر إلى غير ذلك من الأمور المذكورة في علم البلاغة ، والذي حسن إيقاع الظاهر موقع المضمر في الآية الكريمة أن الظاهر أدل على المعنى ، الذي وضع له اللفظ من المضمر ؛ لأنه يدل عليه بنفسه ، والمضمر يدل عليه بواسطة ما يفسره ، وقصد المتكلم هنا الإخبار عن الذين طلب منهم الإطعام ، أنهم أهل القرية ؛ لأن من غشيه الضعف في منزله ، ولم يعتذر بعذر عن إكرامه ، بل قابله بالمنع مع ظهور حاجته ، التي أوجبت له أن يسأل منه ذلك ؛ لأن المسألة آخر أسباب الكسب ، يعلم بذلك أن الحامل له على الامتناع من إضافته لؤم الطباع ، واتباع مذموم البخل والشحّ المطاع ، كما قال الشاعر : ( الطويل ) حريص على الدّنيا مضيّع لدينه * وليس لما في بيته بمضيّع حتى روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « كانوا أهل قرية لئاما » ، ومن كانت هذه سجيته كان حريا بالإعراض عنه ، وعدم مقابلته بالإحسان إليه ، فلما رأى موسى - صلوات اللّه عليه - إصلاح الخضر عليه السّلام لجدار مشرف على السقوط في القرية ، التي هؤلاء أهلها من غير طلب أجر ذلك منهم ، مع الحاجة إلى ذلك عجب من ذلك ، وأنكره حتى كأن نسي ما قدمه من وعده إياه بالصبر ، وبعدم المصاحبة إن سأله عن شيء بعد ذلك ، مع حرصه على صحبته والتعلّم منه ، فكان في إعادة لفظ الأهل في الآية الكريمة إقامة لعذر موسى في الاعتراض في هذه الحالة ؛ لأنه حالة لا يصبر عن الاعتراض فيها ، لأن حالهم يقتضى بذل الأجر في إصلاح أمر دنياوي لحرصهم وشحهم ، فترك طلب الأجرة على إصلاح ذلك مع الضرورة والحاجة ، وقع إحسانا إلى أهلها الذين قابلوهما بالمنع عن الضيافة ، فكانت البلاغة متعلقة بلفظ الأهل ، التي هي الحاملة على الاعتراض ظاهرا ، فأطلعه الخضر عليه السّلام بأن الجدار إنما كان ليتيمين من أهلها ، واليتيم محل المرحمة ، وليس محلا لأن يطلب منه أجرة ، إما لعجزه ، أو لفقره وهو الظاهر ، أو لأنه لا يجوز تصرّفه في ماله ، ولهذا قال : رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [ الكهف : 82 ] ، ولم يكن لأهلها الذين أبوا أن يضيفوهما ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم ، انتهى ما نقلته من خط الشيخ - رحمه اللّه تعالى - . قلت : جواب الشيخ - رحمه اللّه تعالى - في غاية الحسن ، وهو كلام عارف بهذا الفن جار على القواعد ، والذي قاله الشيخ جمال الدين بن الحاجب - رحمه اللّه تعالى - في الجواب عن ذلك ملخّصه : أنه إنما أعاد الأهل بلفظ الظاهر لأمرين : أحدهما : أن استطعما صفة لقرية ، فلو قال : استطعماهما ، لكان مجازا ، إذ القرية لا تستطعم ، فلا بد من ذكر المضاف مضمرا ، فتعين ذكره مظهرا ، ولا يرد عليه أن استطعما جواب لإذا ، لا صفة لقرية ؛ لأنا نقول : لقوله في القصة الأخرى : حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ [ الكهف : 74 ] ،