خليل الصفدي

219

أعيان العصر وأعوان النصر

وهذا على الإيجاز اللّفظ جاء في * جوابي منثورا بحسن بيان فلا تمتحن بالنّظم من بعد عالما * فليس لكلّ بالقريض يدان وقد قيل إنّ الشّعر يزري بهم فلا * تكاد ترى من سابق برهان ولا تنسني عند الدّعاء فإنّني * سأبدي مزاياكم بكلّ مكان وأستغفر اللّه العظيم لما طغى * به قلمي أو طال فيه لساني والجواب المبسوط بالنثر فهو : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، سأل بعض الفضلاء عن الحكمة في اسْتَطْعَما أَهْلَها [ الكهف : 77 ] دون فاستطعماهم مع أنه أخصر والجواب ، قلت : واللّه الموفق ، إنه لما كانت الألفاظ تابعة للمعاني ، لم يتحتم الإضمار بل قد يكون التصريح أولى ، بل ربما يكاد يصل إلى حد الوجوب - كما سنبين إن شاء اللّه تعالى - ، ويدل على الأوليّة قول أرباب علم البيان ما هذا ملخصه ؛ لما كان للتصريح عمل ليس للكناية ، كان لإعادة اللفظ من الحسن والبهجة والفخامة ، ما ليس لرجوع الضمير انتهى كلامهم . فقد يعدل إلى التصريح إما للتعظيم ، وإما للتحقير ، وإما للتشنيع ، والنداء بقبح الفعل ، وإما لغيرهم فمن التعظيم قوله تعالى : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ [ الإخلاص : 1 ، 2 ] دون هُوَ ، وقوله تعالى : وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ [ الإسراء : 105 ] ولم يقل : وبه ، وقوله : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ [ البقرة : 197 ] ، فقد كرر لفظ الحج مرتين دون أن يقال : فمن فرضه فيهن ولا جدال فيه ؛ إعلاما بعظمة قدر الحج وعبادته ، من حيث إنها فريضة العمر ، وفيها شبه عظيم بحال الموت والبعث ، فناسب حال تعظيمه في القلوب التصريح باسمه ثلاث مرات ، ومنه قول الخليفة أمير المؤمنين : يرسم بكذا دون أنا ، إما لتعظيم ذلك الأمر ، أو لتقوية داعية المأمور أو نحوهما . وقول الشاعر : ( الزجر ) نفس عصام سوّدت عصاما وقول أبي تمام : ( لخفيف ) قد طلبنا فلم نجد لك في السو * دد والمجد والمكارم مثلا وقول بعض أهل العصر : ( الطويل ) إذا برقت أسرّة وجهه * على النّاس قال النّاس جلّ المنوّر