خليل الصفدي

207

أعيان العصر وأعوان النصر

وهو أكمل الإخوة وأسعدهم وأفضلهم ، سعى بنفسه إلى أن أخذ الإمرة من مصر ، وكان قد كتب على يده الأمير سيف الدين يلبغا كتبا ومطالعة إلى السلطان ، فاتفق تغير الدولة ، فأقام هناك ، وأعطي إمرة بدمشق ، فجاء وأرغون شاه بدمشق نائب سيف الدين أرغون الكاملي إليها نائبا فخدمه ، فولاه بها شد الدواوين ، ولم يزل إلى أن اتفقت للكاملي تلك الكائنة مع الحلبيين ، وهرب من عندهم ، وجاء إلى دمشق ، وتوجه منها إلى مصر ، وأعيد إليها نائبا ، فأحسن علي بن بهادر آص إلى علاء الدين بن بيبرس ؛ لأنه ما غفل عن خدمة بيته وأهله ، ولا خانة فرعى له ذلك ، ولما قدم الكاملي إلى دمشق ، وطلب الأمير سيف الدين تلك « 1 » الحاجب إلى مصر ، خلت الوقت الوظيفة ، فطلبها للأمير علاء الدين ، فجاء إلى دمشق حاجبا ، ولم يكن عنده غيره ؛ لأنه عارف خبير درب ، عاشر الناس ورآهم في مصر والشام ، فما كان يتكلم في الدست غيره . ثم إنه توجه إلى لد ، وجاء معه إلى دمشق ، وتوجه معه إلى حلب ، فكان معه ، فلما رسم له بالإقامة هناك ، أقام عنده حاجبا ، ولما طلب الكاملي إلى مصر ، لم يمكنه إلا الإقامة في حلب ، وحضر الأمير سيف الدين طاز إلى حلب نائبا ، فراج عليه ، ونفق عنده بعد ما كان قد أعرض عنه ، ولم يزل إلى أن توفي - رحمه اللّه تعالى - في التاريخ . وكان يستحضر شعرا كثيرا للأقدمين والمتأخرين وأهل العصر ، وعلى ذهنه تواريخ ووقائع من قديم الإسلام وحديثه ، وكان حلو العبارة ، فصيح اللسان ، يستحضر الواقعة في وقتها ، ويتمثّل بالشعر النادر في كتبه . وكان غريبا في أبناء جنسه ، كتبت إليه بعد ما توجه من دمشق ، لما أقام بحلب ارتجالا من رأس القلم في شوال سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة : ( الوافر ) لقد أوحشت أهل الشّام حتّى * سلبت ربوعها ثوب البهاء يقبل الأرض ، ويشكو حظه من الأيام ، وما يجده لهذه الحادثة من الآلام ، وما يجرعه من الغصص لفراق مولانا الذي آنس مقامه حلب ، وأوحش فراقه الشام . نعم يا مولانا ، لقد شقيت دمشق ببعدك عنها ، وسعدت حلب بقربك منه ، وما يقول المملوك ، إلا كأن اللّه - تعالى - كان قد كمّل محاسنها بحلولك ، وأطلع الأمن فيها بنزولك ، وكاثر أنهارها بما تجريه المكارم فيها من سيولك ، وفاخر أهلة أفقها بما تؤثره في طرقها حوافر خيولك ، وفاضل أزاهرها النافحة بآثار جرّ ذيولك : ( الكامل ) فتجمّلت ، وتكمّلت * فأصابها عين الكمال

--> ( 1 ) سبق ذكر ترجمة له .