خليل الصفدي

189

أعيان العصر وأعوان النصر

له وقت في غير ذلك . وكان قد ولي تدريس الشريفية بالقاهرة ، وبها سكنه ، وكان السلطان يعظمه ، ويثني عليه ، وكذلك الأمير سيف الدين أرغون النائب . أخبرني القاضي ناصر الدين بن الصاحب شرف الدين كاتب السر بدمشق ، قال : سمعت الأمير سيف الدين أرغون النائب يقول بحلب : ما رأيت رجلا مثل الشيخ علاء الدين القونوي ، ولا ملأ عيني غيره ، وكان يعرف بالتركي وبالعجمي . ولم يزل على حاله ، إلى أن توفي الشيخ كمال الدين محمد بن الزملكاني ببلبيس ، وقد طلبه السلطان ؛ ليوليه قضاء دمشق ، فحينئذ عيّن السلطان الشيخ علاء الدين لقضاء الشام ، فما خرج منها إلا كارها ، كان يقول لأصحابه الأعزّة عليه : أهملني السلطان كونه لم يولني قضاء الديار المصرية ، وليته كان عيّنني لذلك في الظاهر ، وكنت أنا سألته الإعفاء من ذلك . ولما خرج إلى الشام حمل كتبه معه على البريد ، وأظنها كانت وقر خمسة عشر فرسا أو أكثر ، وباشر منصب الحكم بدمشق أحسن مباشرة ، بصلف زائد وعفّة مفرطة ، ولن يكن له تهمة في الأحكام ، بل رغبته وتطلّعه إلى الإشغال والإفادة ، وطلب الإقالة أولا من السلطان فما أجابه ، ثم إنه لما جاء إلى الشام ، واستقر في دمشق ، كتب إلى شيخنا العلامة تقي الدين السبكي ؛ ليناقله إلى وظائفه بالقاهرة ، ويأخذ هو قضاء الشام ، فما وافقه ذاك . وكان منصفا في بحوثه ريضا ، معظّما للآثار ، ولم يغير عمّته للتصوّف ، ولما جاء إلى دمشق بلغني ، أنه أحضر القاضي فخر الدين المصري والقاضي جمال الدين بن جملة ، وحلّ من وسطه كيسا فيه ألف دينار ، وقال : هذه جاءت معي من الديار المصرية . وخرّج له ابن طغريل والشيخ عماد الدين بن كثير « 1 » مشيخة ، فوصلهما بجملة ، وشرح الحاوي في أربع مجلدات وجوّده ، واختصر منهاج الحليمي « 2 » ، وسمّاه الابتهاج ، وله التصرّف شرح التعرّف في التصوّف . وكان له حظ وافر من صلاة وصيام وخير وحياء ، وكان مع مخالفته للشيخ تقي الدين بن تيمية ، وتخطئته له في أشياء كثيرة ، يثني عليه ويعظّمه ويذب عنه ، إلا أنه لما توجه من مصر قال له السلطان : إذا وصلت إلى دمشق ، قل لنائب الشام يفرج عن ابن تيمية ، فقال : يا خوند ، على ما ذا حبستموه ؟ قال : لأجل ما أفتى به في تلك المسألة ، فقال : إنما

--> ( 1 ) ابن كثير هو : إسماعيل بن عمر بن كثير صاحب البداية والنهاية ، المتوفى في سنة 774 ه . ( 2 ) الحليمي هو : حسين بن الحسن الحليمي الجرجاني ، المتوفى 403 ه . ( انظر : كشف الظنون : 2 / 1871 ) .