خليل الصفدي

176

أعيان العصر وأعوان النصر

كان أكنه وتيقّظ له ، وكأنما كان في أكنه ، ورمي بفالج عدم معه الانتفاع بحواسه ، وبطلت حركة يده ، وطالما كان القلم فيها ، كأنما شد بأمراسه على أمّ رأسه ، وعز أمره ، وما نزل به على السلطان ، وطلب علاجه من النازحين والقطان ، فما نجح فيه دواء من يعالج ، ولا ظهر طريق مستقيم لطب ما به من الفالج ، فنزل من ديوانه إلى البيت ، ورآه الناس ، وهو حي كأنه الميت : ( الكامل ) ما زال يدفع كلّ أمر فادح * حتّى أتى الأمر الّذي لا يدفع وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في يوم الأربعاء منتصف شهر اللّه المحرم سنة ثلاثين وسبعمائة ، ودفن يوم أصابه مبادي فالج ، فكابر هو نفسه ، وصار يدخل ويخرج إلى السلطان ، ويفهم السلطان عنه ذلك ، وما يقول له شيئا ، فلما كان في بعض الأيام ، أراد أن يقوم من بين يدي السلطان ، ويحمل الدواة بيمينه ، فسقطت من يده ، فتألّم له السلطان ، وقال للأمير سيف الدين الجاي الدوادار : اكتب إلى نائب الشام ؛ ليجهّز لنا القاضي محيي الدين بن فضل اللّه ، وسر السلطان يقول له : « يا علاء الدين انزل ، واضرب لك خاما في جزيرة الروضة ، وعالج هذا الحادث ، وأنا أجهّز لك الأطباء » ، فلم يفعل ، وبقي في الديوان مريضا ، إلى أن جاء الخبر بوصول القاضي محيي الدين بن فضل اللّه إلى قطيا ، فقال لألجاي : « مر ابن الأثير بالنزول إلى بيته ، فجهّز يقول له : قد جاء صاحب الديوان ووصل ، وغدا يكون هنا فباسم اللّه أنزل استرح في بيتك ، سبحان اللّه العظيم هم أولا به عزلوا ، وهو ثانيا بهم عزل » . فذي الدّار أخدع من مومس * وأمكر من كفّة الحابل وكان نزول ابن الأثير إلى بيته في أوائل المحرم سنة تسع وعشرين وسبعمائة ، وأقام في بيته ، وتزايد به المرض ، وجهّز السلطان أحضر أمين الدين سليمان « 1 » رئيس الأطباء بدمشق ، وقال له لما وصل : « انزل إلى القاضي علاء الدين بن الأثير ، وعالجه ووعده » ، فنزل إليه وعالجه فما أفاد وآل أمره ، إلا أنه لم يبق فيه شيء يتحرك غير جفونه ، فكان إذا أراد شيئا علا صارخا بصوته ، فيحضرون إليه ، ويدقّون على الأرض دقات متوالية ، وهو يعد الحروف من أول المعجم ، فإذا وصلوا إلى أول حرف من مقصوده أطرق ، وأغمض جفنه ، فيحفظون ذلك الحرف ، ثم يفعلون ذلك ، فإذا وصلوا إلى الحرف الثاني من مقصوده أغمض جفنه ، ولا يزالون كذلك حتى يفهموا عنه قصده ، وكان الزمان يطول عليهم وعليه ، حتى يفهموا عنه لفظة أو لفظتين ، نسأل اللّه تعالى العفو والعافية من آفات هذه الدار .

--> ( 1 ) سبق ذكر ترجمة له في موضعها .