خليل الصفدي
85
أعيان العصر وأعوان النصر
ثم إن السلطان أذن له في الحضور إلى القاهرة فتوجه إليها ، وعاد مكرما محترما زائد الإنعام ، وصار بعد ذلك يتوجه في غالب الأوقات في كل سنة ، وفي كل مرة يزيد إكرامه وإنعامه . أخبرني القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص أن الذي خص الأمير سيف الدين تنكز من الإنعام في سنة ثلاث وثلاثين ، وسبعمائة بلغ ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم . خارجا عما أنعم عليه من الخيل ، والسروج ، وماله على الشام من العين ، والغلة ، والأغنام . ثم إنني رأيت أوراقا بيده فيها كلفته ، وهي ثلاث ، وعشرون قائمة من جملة ذلك طبلا باز ذهبا صرفا زنتهما ألف مثقال . والقباء العفير الذي يلبسه آخرا قال لي القاضي شرف الدين : إنه يتقوم على السلطان بألفي دينار مصرية فيه ألف وخمسمائة دينار حريرا ، وأجر خمسمائة دينار . ثم إنه توجه بعد ذلك فيما أظن أربع مرات ، وكل مرة يضاعف إنعامه ، وتمكينه ، وتزيد هيبته إلى أن كان أمراء مصر الخاصكية يخافونه . أخبرني الأمير سيف الدين قرمشي الحاجب قال : قال لي السلطان : يا قرمشي لي ثلاثين سنة ، وأنا أحاول من الناس أمرا ، وما يفهمونه عني ، وناموس الملك يمنعني أن أقوله بلساني ، وهو أني لا أقضي لأحد حاجة إلا على لسانه أو بشفاعته ودعا له بطول العمر . قال : فبلغت ذلك للأمير فقال : بل أموت أنا في حياة مولانا السلطان . قال : فلما أنهيت ذلك السلطان قال : يا قرمشي قل له : لا أنت إذا عشت بعدي نفعتني في أولادي ، وحريمي ، وأهلي ، وأنت إذا مت قبلي إيش أعمل أنا مع أولادك أكثر ما يكونون أمراء ، وها هم الآن أمراء في حياتك أو كما قال . وآخر ما كتب له عن السلطان في سنة تسع ، وثلاثين ، وسبعمائة : أعز اللّه أنصار المقر الكريم العالي الأميري . وفي جملة الألقاب : الأتابكي الزاهدي العابدي . وفي النعوت : معز الإسلام ، والمسلمين سيد الأمراء في العالمين ، وهذا لم نعهده يكتب لنائب عن السلطان ، ولا لغير نائب على اختلاف الوظائف ، والمناصب . وزادت أملاكه ، وعمر جامعه المعروف به بحكر السماق بدمشق ، وأنشأ إلى جانبه تربة ، ودارا وحماما شرع في عمارة ذلك في شهر صفر سنة سبع عشرة ، وسبعمائة ، وعمر تربة لزوجته أم أمير علي ، ومسجدا ، ومكتب أيتام بجور الخواصين ، وعمر دارا للقرآن عند داره بجوار القليجية ، وأنشأ بصفد بيمارستانا ، وعمر بالقدس رباطا ، وحمامين ، وساق الماء إلى الحرم ، وصار يجري على باب المسجد الأقصى ، وعمر بالقدس قيسارية مليحة ، وجدد القنوات بدمشق فانصلحت مياهها بعد أن كانت فسدت طعومها ، وتغيرت روائحها ،