خليل الصفدي

81

أعيان العصر وأعوان النصر

دمشق ، وتلقاه في يوم الأحد الخامس عشر من صفر سنة ثمان وعشرين ، وسبعمائة ، وتوجه إلى السلطان ، وظن أن السلطان يخرج له فلم يخرج لتلقيه ، وأمر برد من حضر معه إلا القليل ، وأعطى لكل واحد مبلغ خمسمائة درهم ، وخلعة فعاد الجميع إلا اليسير ، وأراد السلطان أن يقطعه شيئا من أخباز الأمراء فقال له الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب : يا خوند أيش قال عنك أنه وفد عليك ، وافد من الروم ما كان في بلادك ما تعطيه إقطاعا حتى تأخذ من إقطاع أمرائك فرسم كل يوم من دخل قطيعا بألف درهم إلى أن ينحل له إقطاع يناسبه ، ورسم له السلطان على لسان الأمير سيف الدين قجليس أن يطلق من الخزانة ، ومن الإصطبل ما يريده ، وأن يأخذ منهما ما يختاره فما فعل شيئا من ذلك . وكان الناس في كل يوم موكب يوقدون الشموع بين القصرين ، ويجلس النساء ، والرجال على الطرق ، والأسطحة ينتظرون أن التمرتاش يلبس للإمرة ثم إنه عبرت عينه أيضا على مماليك السلطان الأمراء الخاصكية ، ويقول : هذا كان كذا ، وهذا كان في البلاد كذا ، وهذا ألماس كان جمالا فما حمل السلطان هذا منه . وألبس يوما قباء من أقبية الشتاء على يد بعض الحجاب فرماه عن كتفه ، وقال : ما ألبسه إلا من يد ألماس أمير حاجب . ولما وصل القاهرة أقاموا الأمير شرف الدين أمير حسين بن جندر من الميمنة ، ونقلوه إلى الميسرة ، وأجلسوه مكانه . ولم يزل على حاله بالقاهرة إلى أن قتل جوبان أبوه في تلك البلاد فأمسك السلطان التمرتاش ، واعتقله فوجد لذلك ألما عظيما . وقعد أياما لا يأكل فيها شيئا إنما يشرب ماء ، ويأكل بطيخا لما يجده في باطنه من النار ، وكان قجليس يدخل إليه ، ويخرج ، ويطيب خاطره ، ويقول له : إنما فعل السلطان هذا لأن رسل القان بو سعيد على وصول ، وما يهون على بو سعيد أن يبلغه عن السلطان أنه أكرمك . وقد حلف كل منهما للآخر فقال له يوما : أنا ضامن عندكم انكسر لكم علي مال حبستموني حتى أقوم به إن كان شيء فالسيف ، وإلا فما في حبسي فائدة ، واللّه ما جزائي إلا أن أسمر على جمل ، ويطاف في بلادكم هذا جزاء ، وأقل جزاء من يأمن إلى الملوك ، ويسمع من كلامهم ، وأيمانهم . ثم إن الرسل حضروا يطلبون التمرتاش من السلطان فقال : ما أسيره حيا ، ولكن خذوا رأسه فقالوا : ما معنا أمر أن نأخذه إلا حيا ، وأما غير ذلك فلا فقال : فقفوا على قتله . وأخرج المسكين من سجنه ، ومعه قجليس الحاج ، وأيتمش ، وغيرهما . فخنق داخل باب القرافة بقلعة الجبل ، وكان يستغيث ، ويقول : أين أيتمش يعني الذي حلف لي ، وأيتمش يختبئ بين الناس حتى لا يراه ، وقال : ما معكم سيف لأي شيء هذا الخنق ، وكان ذلك في شهر رمضان المعظم سنة ثمان ، وعشرين ، وسبعمائة ثم حز رأسه