خليل الصفدي

442

أعيان العصر وأعوان النصر

الأملاك ، وحاز من الإنعام ما يقف السابح في ذكره إن عام ، وأما المراكيب والمراكب ، والملابس التي تفخر بها الكواكب ، فشئ زاد على المعهود مقداره ، وضاقت في البر والبحر أقطاره . وعاند أولا ، وكاد يدركه العطب ، ونهض من وهدة الخطب إلى ذروة المنبر من العز وخطب ، ثم إنه استقل من يعانده ، واستذل من يراوده ، فوقع هو في هوة لا يصل من ينتاشه إلى قرارها ، وتاه في موماة هلاك لا ينجيه الحذر من فرارها ، فأخذ من مأمنه ، وثار إليه الشر من مكمنه ، فأصبح علمه منكّسا ، وقلمه مركسا ، ونزلت به من الزمان بليّة ، وأمست حلية المنصب من ابن زنبور خلية ، يطلب من ينصره فلا يجده ، ويروم من يعضده فلا يعده ولا يعده ، وتنوّع له العذاب ، وتفرع من الهوان ما أذلّه وأذاب ، إلى أن تقطعت القلوب له رحمة ، وجاءه الفرج فلم يخلص إليه من الزحمة ، عادة من الزمان أجرى الناس عليها ، وأجراهم بعد غاياتهم إليها . ثم إنه جهز إلى قوص مع حظه المنقوص ، ففارق أربعة رقّ له فيها الحسدة : مناصبه ، ووطنه ، وماله ، وولده ، فبات وزيرا سعيدا ، وأصبح فقيرا في البلاد طريدا ، فلا رغبة لعاقل في العليا ، ومرحبا بإقبال هذه الدنيا ، فقد . ( المتقارب ) . تفاني الرّجال علي حبها * وما يحصلون علي طائل ولم يزل بقوص ، والذل يغور به ويغوص ، إلى أن اندفع إلى القبر واندفن ، وخرج من دنياه وما معه غير الكفن ، وتوفي بقوص - رحمه اللّه تعالى - في الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين وسبعمائة . أول ما علمته من أمره ، أن القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص استخدمه كاتب الإصطبلات بعد أولاد الجيعان في أواخر أيام الملك الناصر محمد ، وبقي القاضي علم الدين على هذه الوظيفة ، إلى أن خرج القاضي علم الدين بن القطب « 1 » من مصر إلى دمشق ، فخلت عنه وظيفة استيفاء الصحبة ، وخرج إلى حلب ، وكشف القلاع ، وحصل أموالا ، وبقي على ذلك إلى أن أمسك جمال الكفاة في واقعته الأخيرة ، ومات تحت العقوبة ، فنقل القاضي موفق الدين إلى نظر الخاص ، فبقي قليلا ، وطلب الإعفاء فأعفوه ، وتولى علم الدين بن زنبور الخاص ، وأضيف إليه من الجيش بعد القاضي أمين الدين ، ولم يزل على ذلك ، إلى أن أمسك الأمير سيف الدين منجك الوزير ، فأضيفت الوزارة إلى ابن زنبور ، وهذا أمر ما اتفق لغيره أبدا ، ولا سمعنا به ، وإنما كان الجيش والخاص مع جمال الكفاة ،

--> ( 1 ) ستأتي ترجمته في موضعها .