خليل الصفدي

402

أعيان العصر وأعوان النصر

817 - طغاي « 1 » الأمير سيف الدين الكبير . لم يكن في مماليك أستاذه من حاز جماله ، ولا بلغ القمر كماله ، ولا ملك الرمح قده ، ولا رأى السيف مضاء جفنه ولا حده ، وكان شابا أبيض طويلا ، لا تجد العيون لجماله ندا ولا مثيلا ، قد فات الوصف ، وفاق ثغره عقد الجوهر في الرصف . وأما مكانته فما ملكها في وقته أحد ولا حازها ، ولا داناها فضلا عن أن يكون جازها ، كان السلطان يكون مع خواصه يمزح ، ويجول في ميدان خلوته ، ويمرح حتى يقال : جاء طغاي ، وكل منهم ينزوي ، ويميل إلى مكانه المعروف به وينضوي ، وكان يضع يده في حياصة أكبر الخواص ، والذي لا يجد السلطان عنه مناص ، ويخرج به إلى برا ، ويرميه إلى الأرض ، ويضربه مائتي دبوس ، وهلم جرا ، هذا والسلطان يرى ويسمع ، وماله إلى خلاص ذلك نظر يطمح ، ولا أمل يطمع ، وحسبك أن تنكز ما كان يطير إلا بجناحه ، ولا يتوصّل إلى نيل مقاصده إلا بنجاحه . ولم يزل على حاله إلى أن زالت سعادته ، وفرغت من الإقبال عليه مائدته ، فاستحال عليه وما استحيا ، وأعرض عنه ، ولم يسمع فيه لوما ولا لحيا ، وأخرجه إلى صفد ، وأحوجه بعد العطاء الجزيل والصفد ، وبعد قليل أخذه من صفد في صفد ، وعمد إليه سيفا ، فأغمده في جفن حبسه ، وفقد الناس مثله في أبناء جنسه . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في الإسكندرية . وكان سبب تغيره عليه أمور منها ، أنه لما مرض السلطان احتاج إلى أن يحلق رأسه ، فحلقه وحلق مماليك السلطان رؤوسهم ، ولم يحلق طغاي ذؤابته ، وكانت سوداء طويلة مليحة إلى الغاية ، ثم إنه طلب كلا منهم على انفراد ، وقال له فيما بينه وبينه : يكون نظرك على أولادي وحريمي ومماليكي ، فأنت الذي يتم لك الأمر بعدي ، فكل منهم تنصّل وبكى ، وقال : هذا أمر لا يكون أبدا ، ولا أوفق عليه ، واللّه يجعلنا فداء مولانا السلطان ، ولم ير من أحد من هؤلاء المقربين إقبالا على ما قاله ، فلما قال مثل ذلك لطغاي رأى منه إقبالا ، وشمّ من أنفاسه الميل إلى طلب الملك ، فكتم ذلك في باطنه ، وأخرجه إلى صفد نائبا في الثالث عشر من صفر سنة ثماني عشرة وسبعمائة ، فحضر إليها يوم الخميس الثاني

--> ( 1 ) انظر : الوافي بالوفيات : 6 / 444 ، الدرر الكامنة : 2 / 221 ، المنهل الصافي : 6 / 408 ، تذكرة النبيه : 2 / 56 .