خليل الصفدي
396
أعيان العصر وأعوان النصر
الذهب والفضة كل حضرة ، فزادت أملاكه ، ونمت أجورها ، وعظمت خزائنه ، وملئت بالأموال حجورها ، إلا أنه كان عطاؤه عطاء الملوك ، وإذا جاء وهب الجواهر التي في السلوك ، وفيه بر للفقراء وإيثار ، وجود لهم على طول المدى مدرار ، وأمسكه السلطان مرتين ، ولم يتمكن من أذاه كرّتين ، ثم إنه أخرجه إلى صفد نائبا ، فترك فوده لذلك الهول شائبا ؛ لأنه كان يستقل نيابة دمشق ؛ استكبارا وعلوّا ، واستهتارا منه وعتوا ، فأقام بها إلى أن رسم له بإمساك تنكز ، فحضر إليه وأمسكه ، وأخذ ثأره منه وأدركه . ثم إنه توجّه إلى حلب نائبا ، بل جاء هاما مالكا صاحبا ، فأظهر فيها من العظمة ما أظهر ، وأبدى فيها من البذخ ما أرمد عيون أهلها وأسهر . ثم إنه قام في ناصر أحمد الناصر ، ورام غاية ما كانت تبعد عليه ، إلا أن جده قاصر فتعكس ، وهرب إلى البلاد الرومية في فصل تفاقم برده وبرده ، ولم يقاوم جليده جلده ، وقاس شقة الطريق ، وقاسى أهوالا ، ورأى أوحالا صعبت عليه أحوالا . ثم إنه عاد ، وجعل في مصر نائبا ، ولم يدر أنه سهم القدر إذا أرسل كان صائبا ، فأمسك بعد مدة قصيرة ، وذهب به إلى الكرك ، والعيون لفقده غير بصيرة ، فقتل هو والفخري صبرا بالسيف ، وكانت قتلته في أول المحرم سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة . وإنما كان يسمى حمص أخضر ؛ لأنه لما كان في الطباق كان يأكله كثيرا ، فسماه خوشداشوه بذلك . وكان في طبقة أرغون الدوادار وتلك الرفعة ، وأراد السلطان مرة إمساكه وإمساك أخيه قطلوبغا الفخري ، وكان يدعوه أخي ، وأنا شاك في إمساك الفخري في هذه المرة ، فوقف الحرافيش تحت القلعة واستغاثوا ، ودخل خوشداشيته على السلطان فأفرج عنهما ، وعلم أنه لا قبل له بهما . ثم إنه لما أمسك الأمير سيف الدين أرغون الدوادار ، وجهزه إلى حلب نائبا أمسكهما ، وكان الأمير سيف الدين تنكز تلك الأيام في القاهرة ، فشفع فيهما فأفرج عنهما ، وقال له : يا أمير هذا المجنون - يعني الفخري - ، خذه معك إلى الشام ، وهذا العاقل - يعني طشتمر - دعه عندي . فخرج الفخري إلى الشام ، وأقام طشتمر في القاهرة ، وهو مستوحش الباطن . ولما توجه السلطان إلى الحجاز سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة ، كان طشتمر أحد الأمراء الأربعة الذين جعلهم مقيمين في القاهرة . وكان في أول أمره مليحا حسن الصورة ، وكان القاضي كريم الدين يتولى عمائره بنفسه ، وهو الذي عمّر له الدار التي عند حدرة البقر والإصطبل ، ولها تلك البوابة العظمى ،