خليل الصفدي
39
أعيان العصر وأعوان النصر
ولم يزل على حاله إلى أن مر الأمير وما عاد ، وبدل بالتعس على النعش بعد الإسعاد . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في صفر سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة . وهو زوج بنت الأمير سيف الدين الجوكندار . 474 - بهادر « 1 » الأمير سيف الدين المنصوري المعروف بالحاج بهادر . كان من أكابر الأمراء بالديار المصرية متعينا فيهم ، فأخرج إلى حلب على إمرة ، ثم نقل إلى دمشق ، ثم أعطى بها تقدمة ألف ، وأقام بها مدة ، وداخل الأفرم وصار من أخصّائه ، وكان معروفا بالتجري « 2 » ، وعدم التحرز والتحري ، محبا للفتن ، يصدح فيها على فنن ، لا يحظى بالسرور ، إلّا إذا أجرى قناة الشرور ، وكان يؤلب على الجراكسة ، ويعد المهادنة لهم من المماكسة ، لا يكاد يصبر على تعاطي السلاف ، ولا يرى الدهر يده فارغة من كأس كأنها تلافيه من التلاف ، قيل : إنه كان يمر بين القصرين ، وهو يتناول الخمر ، ويقدح في أقداحه الجمر ، وربما فعل ذلك بدمشق إذا دخل من الصيد ، ولا يبالي بما يقوله عمرو وزيد . أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه ، قال : أخبرني والدي أنه كان أشبه الناس بالملك الظاهر بيبرس « 3 » ، وأقام في طرابلس نائبا بعد أسندمر ، إلى أن هجم عليه هاذم اللذات ، وفرّق بينه وبين الأتراب واللدات . وتوفي - رحمه اللّه - في شهر ربيع الآخر سنة وسبعمائة . ولما ولي الملك بيبرس الجاشنكير ، وفرح به الأفرم ، تغير الحاج بهادر على الأفرم بعد مداخلته مجالس أنسه ، ومواطن إطرابه ولذاته ، وأخذ في تغيير الأمراء عليه ، ويقول لمن يخلو به : هؤلاء الجراكسة متى تمكّنوا منا أهلكونا ، وراحت أرواحنا معهم ، فقوموا بنا نعمل شيئا قبل أن يعملوا بنا ، وتحالف هو وقطلوبك الكبير على الفتك بالأفرم ، إن قدرا عليه ، فأحس الأفرم بذلك ، فلم يزل بالحاج بهادر ، إلى أن استصلحه على ظنه ، وقال : بعد أن سلمت من هذه الحيّة ، ما بقيت أفكر في تلك العقرب - يعني بالحية الحاج بهادر ، وبالعقرب قطلوبك - . ولما تحرك الملك الناصر من الكرك ، أرسل الأفرم الحاج بهادر وقطلوبك الكبير يزكا قدامه ، فنزلا على الفور ، وأظهرا للأفرم وأبطنا له الغدر ، ثم إنهما راسلا السلطان الملك
--> ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 2 / 1369 ، والوافي بالوفيات : 10 / 295 ، والمنهل الصافي : 3 / 437 . ( 2 ) التجري : التهور والاندفاع وعدم الاحتراز عن المخاطر ونكبات الدهر وعدم التحري والاختبار والدراسة ومعرفة بواطن الأمور أي أنه رجل لا يقدر العواقب ولا يحسب للنازلات حساب . ( 3 ) الظاهر بيبرس : ولد عام 625 ه ، وتوفي عام 676 ه ، تولى سلطنة مصر والشام سنة 657 ه ، وهو هازم المغول والتتار . ( انظر : فوات الوفيات 1 : 85 ، والنجوم الزاهرة : 7 : 94 ) .