خليل الصفدي

369

أعيان العصر وأعوان النصر

كان رجلا خيّرا ، مضيء القلب نيرا ، يعبر الرؤيا ويتكلم عليها مناسبا ، ويجيد فهمها حاسبا . وينظم القريض ، ويأتي به مثل زهر الروض الأريض ، وكان كثير الاتضاع ، غزير مادة الإمتاع ، قد صحب الفقراء زمانا ، وحفظ من كلامهم لؤلؤا وجمانا ، وسافر البلاد ، وعلم منها ومن أهلها الطارف والتلاد . ولم يزل على حاله ، إلى أن انفسد مزاج صالح ، وتلقاه العيش بعد بشره بوجهه الكالح . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة في السادس عشر من شهر ربيع الأول . ومولده سنة ثمان وثلاثين وستمائة . أنشدني شيخنا الذهبي قال : أنشد المذكور قصيدته السائرة ذات الأوزان ، وهي : دائي ثوى بفؤاد شفّه سقم * لمحنتي من دواعي الهمّ ، والكمد بأضلعي لهب تذكو شرارته * من الضّنى في محلّ الرّوح من جسدي يوم النّوى ظلّ في قلبي له ألم * وحرقتي وبلائي فيه بالرّصد توجّعي من جوى شبّت حرارته * مع العنا قد رثى لي فيه ذو الحسد أصل الهوى ملبسي وجدا به عدم * لمهجتي من رشا بالحسن منفرد تتبّعي وجه من تزهو نضارته * لمّا جنى مورثي وجدا مدى الأمد مودّعي قمر تسبي إشارته * إذا رنا ساطع الأنوار في البلد مهدي الجوى مولع بالهجر منتقم * ما حيلتي قد كوى قلبي مع الكبد لمصرعي معتد تحلو مرارته * يا قومنا آخذ نحو الرّدى بيدي قلبي كوى مالك في النّفس محتكم * لقصّتي ، وهو سولي ، وهو معتمدي مروّعي سار لا شطّت زيارته * لمّا انثنى قاتلي عمدا بلا قود قلت : يقال إن هذه القصيدة تقرأ على ثلاثمائة وستين وجها . وقد نظم الناس في هذا النوع قديما وحديثا وأكثروا ، وأحسن هذا النوع ما لم تظهر الكلفة عليه ، ويكون عذبا منسجما ، وأقدم ما يوجد من هذا النوع قول أبي الحسن أحمد بن سعد الكاتب الأصبهاني ، وكان بعد العشرين والثلاث مائة ، وهو : وبلدة قطعتها بضامر * خفيدد عيرانة ركوب وليلة سهرتها لزائر * ومسعد مواصل حبيب