خليل الصفدي
340
أعيان العصر وأعوان النصر
وفرّت بأجمعها من بين يديه ، وكان هو فيمن خامر ، وقام مع الحزب الناصري وقامر ، إلا أنه حاق به مكره ، وأتعبه خماره وسكره ، ومات في السجن جوعا ، ولم يجد إلى الدنيا رجوعا ، يقال إنه أكل من مداسه الكعاب ، وتحقق أن الدنيا مومس بالية ، وكان يظن أنها كعاب . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - معتقلا بالقلعة في الديار المصرية في شهر ربيع الآخر سنة عشر وسبعمائة . وكان يتحدث أن إقطاعه بضع وثلاثون طبلخاناه ، واشتهر على ألسنة العوام وغيرهم ، أنه يدخله في كل يوم مائة ألف درهم ، واستمر في النيابة إحدى عشرة سنة . ولما ملك الجاشنكير استمر به في النيابة ، وازداد عظمة وسعادة ، وأقام على ذلك تسعة أشهر . ولما عاد السلطان من الكرك ، تلقّاه سلار إلى أثناء الرمل ، ولما جلس على كرسي الملك أعطاه الشوبك ، فتوجّه إليها في جماعته ، وتشاغل السلطان عنه ، ونزح سلار عن الشوبك ، وطلب البرية ، ثم إنه خذل ، وسير يطلب من السلطان أمانا على أنه يقيم بالقدس لعبادة اللّه - تعالى - فأجابه إلى ذلك ، ودخل إلى القاهرة بعد أن بقي أياما مشرّدا في البريّة ، مرددا بين العرب ، ينوبه في كل يوم لهم ألف درهم وأربعون غرارة شعير . ولما جاء عاتبه السلطان واعتقله ، ومنع من الزاد إلى أن مات جوعا ، وأكل كعاب سرموزته ، وقيل : أكل خفّه ، وقيل : إنهم دخلوا إليه ، وقالوا له : قد عفا السلطان عنك ، فقام من الفرح ومشى ، وكان أشمر آدم لطيف القد ، أسيل الخد ، لحيته في حنكه سوداء ، وهو من التتار الأويراتية . مات في أوائل الكهولة ، ولعله ما بلغها - رحمه اللّه تعالى - ، وأذن السلطان للأمير علم الدين سنجر الجاولي أن يتولى دفنه وجنازته ، فدفنه بتربته عند الكبش . وكان - رحمه اللّه تعالى - ظريفا في لبسه ، اقترح أشياء في اللبس ، وهي إليه منسوبة منها المناديل السلارية والأقبية السلارية وفي قماش الخيل وآلات الحرب . قال شمس الدين الجزري : إنه أخذ له ثلاثمائة ألف ألف دينار ، وشيء كثير من الحلي ، والجواهر والخيل والسلاح ، والغلال مما لا يكاد ينحصر . قال شيخنا الذهبي - رحمه اللّه تعالى - : وهذا شيء كالمستحيل ؛ لأن ذلك يجيء ، وقرّ عشرة آلاف بغل الوقر ثلاثون ألف دينار ، وما علمت أن أحدا من السلاطين الكبار ملك هذا ولا ربعه ، ثم تدبّر - رحمك اللّه - إذا فرضنا صحة قولهم : دخله في كل يوم مائة ألف درهم ، أما كان عليه فيها خرج ! ، فلو أمكنه أن يكنز في كل يوم ثلاثة آلاف دينار ، أكان يكون في