خليل الصفدي
321
أعيان العصر وأعوان النصر
الخلق ، شجاعا فارسا ، مجادلا لأهل العلم ممارسا ، خيّرا دينا ، كاملا صينا مليح الكتابة ، سريع الإقبال والإجابة ، يحفظ الكتاب العزيز ، ويؤثر تلاوته على الإبريز ، فيه اصطناع للفضلاء ، وتقديم للنبلاء ، أنشأ جماعة من الأفاضل ، وقدم زمرة ممن يناظر أو يناضل . ولم يزل على حاله ، إلى أن انجر الموت إلى سنجر ، وأصبح من تحت التراب والمحجر . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - سنة تسع وتسعين وستمائة في شهر رجب بحصن الأكراد ، ودفن هناك ، وكان قد التجأ في الكسرة أيام غازان إليها . ومولده سنة نيف وعشرين وستمائة . قرأ القرآن على الشيخ جبريل الدلاصي وغيره ، وحفظ الإشارة في الفقه لسليم الرازي « 1 » ، وحصل له عناية بالحديث ، وسماعه سنة بضع وخمسين ، وسمع الكثير ، وكتب بخطه ، وحصل الأصول . وخرج له المزي جزءين عوالي ، وخرّج له البرزالي معجما ضخما في أربعة عشر جزءا ، وخرّج له ابن الظاهري قبل ذلك شيئا . وحجّ مرات ، وكان يعرف عند المكيين بالستوري ؛ لأنه أول من سار بكسوة للبيت بعد أخذ بغداد من الديار المصرية ، وقبل ذلك كانت تأتيها الستور من الخليفة ، وحج مرة هو واثنان على الهجن من مصر ، وكان أميرا في الأيام الظاهرية ، ثم أعطي أمرية بحلب ، ثم قدم دمشق ، وتولى شد الدواوين مدة ، ثم كان من أصحاب سنقر الأشقر ، ثم أمسك ، ثم أعيد إلى رتبته وأكثر ، وأعطي خبزا ، وتقدمة على ألف في أيام الأشرف ، وجعل مشد الدواوين بالقاهرة في ذي القعدة سنة احدى وتسعين وستمائة ، وتنقّلت به الأحوال ، وعلت رتبته في دولة الملك المنصور حسام الدين لاجين ، وقدمه على الجيوش في غزوة سيس . وكان لطيفا مع أهل الصلاح والحديث ، يتواضع لهم ويؤانسهم ، ويحادثهم ويصلهم ، وله معروف كثير وأوقاف بالقدس ودمشق ، وكان مجلسه عامرا بالعلماء والشعراء والأعيان . وسمع الكثر بمصر والشام والحجاز ، وروى عن الزكي عبد العظيم « 2 » ، والرشيد العطار ، والكمال الضرير « 3 » ، وابن عبد السلام ، والشرف المرسي ، وعبد الغني بن
--> ( 1 ) سليم بن أيوب أبو الفتح ، المتوفى سنة 447 ه ، ( انظر : السير : 17 / 645 ، الكشف : 1 / 98 ) . ( 2 ) هو عبد العظيم بن عبد القوي ، زكي الدين المنذري ، المتوفى سنة 656 ه . ( العبر في خبر من غبر : 5 / 232 ) . ( 3 ) الكمال الضرير هو : علي بن شجاع بن سالم الهاشمي ، شيخ القراء ، المتوفى سنة 661 ه . ( العبر في خبر من غبر : 5 / 266 ) .