خليل الصفدي

271

أعيان العصر وأعوان النصر

ووقف مرات بين يدي النواب ، وكاد يمتهن بأيدي الحجاب ، وجرت له في ذلك وقائع ، واتفقت له بدائه فيها بدائع ، وما أنجح له فيها عناء ، ولا رشح له إناء : إذا لم يكن عون من اللّه للفتى * فأكثر ما يجني عليه اجتهاده وكان لا يزال مصفرا ، معلولا معفرا . ولم يزل على حاله ، إلى أن ضرب زيد ، وأصبح يرسف من العدم في قيد . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في شهر اللّه المحرم سنة اثنتين وستين وسبعمائة ، ولعله قد قارب الستين ، أو تعداها بقليل . وكان قد باشر في صفد قضاء بعض النواحي ، وعاد إلى دمشق ، وبقي فقيها بالمدارس ، وكان مقيما بالمدرسة الأكزية على باب الخواصين ، وتوجه إلى مصر مرات ، وأحضر تواقيع بولايات ولم تمض ، وكان لا يزال خاملا ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - بعلة الاستسقاء . كتب هو إلي ملغزا : يا مولانا أثقل اللّه بفواضلك الكواهل ، وأخمل بفضائلك الأوائل من الأفاضل ، إن أمكن أن تلمح هذا اللغز اللطيف ، وتعطيه حظا من سيال فكرك الشريف ، تقلد المملوك به مأنة الفضل العميم ، وتحلى بورود لفظه كما يتحلى بوجود شخصه بين يدي سيد كريم ، وهو ما اسم يعتني الصائمون غالبا بتحصيله ، ويتنافس الأكابر منهم في جملته وتفصيله ، خماسي الحروف في الترصيف والترتيب ، مسطح الشكالة في البساطة كري عند التركيب ، إن حذفت خمسا رأيته طائرا ، وسيما قص الأثر فاهتدي به ، وغالب في طرق اللؤم تميما ، وإن اختلس في أوله كان في الثغور الحصينة ، لآلئا في الليل البهيم ، وفي سورة القلم نارا أحرقت الجنة التي أصبحت كالصريم . عزمت على إهدائه غير مرّة * إلى بابك العالي فأمسكت عن قصدي فقد قيل عادات الأكابر أنّهم * بإهدائه أولى فما جزت عن حدّي فكتبت إليه الجواب عن ذلك ، وهو في قطائف ، وجهزت إليه منه صحنا : أمولاي بدر الدّين مثلك من يهدي * نداه ، وإن كان الضّلال غدا يهدي بعثت بلغز قد حلا منك لفظه * فأخمل ذكر القطر فضلا عن الشّهد فسامح فقد أوضحته لك صورة * على أنّه لا بدّ من شرح ما عندي يا مولانا هذا لغزك بديع المعنى ، بعيد المبنى ، يترشفه السمع سلافه ، ويتلقفه البصر وردا جنيا متى أراد اقتطافه ، قد أغربت في قصده ، وأحكمت عقد بنده ، دلني على معناه ، حسن مبناه ، وقرب البيان من مغناه ، فلك الفضل في حله ، وسح وابله ، وطلّه ، ومن غرائب خواصه أنه أخذ من اللبن والحلاوة حظا ، ومتى صحفت ثلاثة أخماسه عاد فظا ، قد راقت