خليل الصفدي
19
أعيان العصر وأعوان النصر
تعليق هذه الأوراق ، وهو شهر ربيع الآخر سنة ست وخمسين وسبعمائة ، مرتين : الأولى هذه ، والثانية : واقعة أبي بكر بن الرماح - المذكور آنفا - فلا ينكر على عاقل وقوع مثل هذه الأمور ، وقد قال الإمام أبو محمد بن حزم « 1 » - رحمه اللّه تعالى - في كتابه نقط العروس : أخلوقة لم يسمع بمثلها ، أتى رجل يقال له خلف الخضري بعد اثنتين وعشرين سنة من موت المؤيد باللّه هشام بن الحكم ، ادّعى أنه هشام فبويع ، وخطب له على المنابر بالأندلس ، وسفكت الدماء ، وتصادمت الجيوش ، وأقام نيّفا وعشرين سنة ، وقال أيضا : فضيحة لم يقع في العالم مثلها ، أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام في مثلها ، تسمّى كل منهم بأمير المؤمنين ، وهم خلف الخضري بإشبيلية على أنه هشام بن الحكم « 2 » ، ومحمد بن القاسم بن حمود بالجريزة ، ومحمد بن إدريس بن حمود بمالقة ، وإدريس بن علي بن حمود . وقال أيضا في كتاب الملل والنحل : أنذرنا الجفلى لحضور دفن المؤيد هشام بن الحكم المستنصر ، فرأيت أنا وغيري نعشا ، وفيه شخص مكفّن ، وقد شاهد غسله رجلان شيخان حكمان من حكام المسلمين من عدول القضاة في بيت ، وخارج البيت أبي - رحمه اللّه تعالى - وجماعة عظماء البلد ، ثم صلّينا عليه في ألوف من الناس ، ثم لم نلبث إلّا شهورا نحو التسعة ، حتى ظهر حيّا ، وبويع بالخلافة ، ودخلت إليه أنا وغيري ، وجلست بين يديه ، وبقي كذلك ثلاثة أعوام غير شهرين وأيام ، حتى لقد أدى ذلك إلى توسوس جماعة لهم عقول في ظاهر الأمر ، إلى أن ادعوا حياته حتى الآن ، وزاد الأمر حتى أظهروا بعد ثلاث وعشرين سنة من موته على الحقيقة ، إنسانا قالوا هو هذا ، وسفكت بذلك الدماء ، وهتكت الأستار ، وأخليت الديار ، وأثيرت الفتن ، انتهى كلام ابن حزم - رحمه اللّه تعالى - . ( المتقارب ) قد قتل المنصور في قوص واق * تصّ من القاتل في القاهرة وجاء بعد اثني عشر عاما مضت * من صفد في عصبة فاجره
--> ( 1 ) ابن حزم هو : علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري ، عالم الأندلس في عصره وأحد أئمة الإسلام ، ولد بقرطبة سنة 384 ه ، وكانت له ولأبيه من قبله رئاسة الوزارة له العديد من المؤلفات منها : الفصل في الملل والأهواء والنحل ، وله المحلى في الفقه وجمهرة الأنساب ، توفي سنة 456 ه . ( انظر : نفح الطيب : 1 : 364 ، وآداب اللغة : 3 : 96 ، وأخبار الحكماء : 156 ، وإرشاد الأريب : 5 : 86 - 97 ) . ( 2 ) هشام بن الحكم هو : المؤيد الأموي بن عبد الرحمن الناصر أبو الوليد من خلفاء الدولة الأموية بالأندلس ، ولد بقرطبة ، وبويع يوم وفاة أبيه سنة 366 ه ، نادوا بخلعه سنة 399 ه ، وبايعوا محمد بن هشام ولقبوه « المهدي باللّه » توفي سنة 403 ه . ( انظر : نفح الطيب : 1 : 187 ، وابن خلدون : 4 : 147 ، وابن الأثير : 8 : 224 ، وحذوة المقتبس : 17 ) .