خليل الصفدي

171

أعيان العصر وأعوان النصر

ملك قهر الجبارين أخيرا ، وصبحهم في مأمنهم مغيرا ، وجعلهم في السجون وحدانا ، وكانوا أكثر نفيرا ، وملأ القلوب سطوة ، ولم يدع أحدا ينقل في غير الطاعة خطوة ، واحتجن الأموال ، وأرى الناس الغير والأهوال ، وبنى المدرسة العظمى ، وأنفق البلغاء فيها حواصل أفكارهم نثرا ، ونظما ، ووقف عليها الوقوف التي تجري سيولها ، وتسري في البر خيولها . إلا أن الدهر ما أمهله لتتكمل بدورها ، وتتأمل العيون ما تتطاول إليه قصورها ، ولو تمت لخذلت مستنصرية ببغداد عندها ، واعترفت لها بالتعظيم عن نية طاهرة لا عن دها : تغنو الكواكب إجلالا لعزّتها * وتستكين لها الأفلاك من عظم كأنّها إرم « 1 » ذات العماد وإن * زادت بمالكها فخرا على إرم ولم يزل في عز سلطانه ، وجبروته ، ومروره في بيد طيشه ومروته ، إلى أن خلع من الملك ، وأنزل من درجات النعيم إلى درجات الهلك حالة ألفها الناس من أم ذفر ، وغاية لا بد منها لكل سفر ، وذلك في يوم الأربعاء التاسع من جمادى الأولى سنة اثنتين وستين وسبعمائة . وكان قد جلس على تخت الملك أولا بعد خلع أخيه الملك المظفر حاجي في بكرة الثلاثاء الرابع عشر من شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة ، وحضر إلى دمشق الأمير سيف الدين أسنبعا المحمودي السلحدار ، وحلف له العساكر بدمشق فاستقر بيبغاروس في نيابة مصر ، والأمير منجك في الوزارة ، والأستاذدارية ، والأمير سيف الدين شيخو يقرأ القصص عليه بحضور السلطان ، ولم يزل الحال على ذلك إلى أن كان يوم السبت الرابع عشر من شوال سنة إحدى وخمسين وسبعمائة فقال السلطان يوما : بحضور القضاة ، وأمراء الدولة حضور أنا ما أنا رشيد . قالوا : اللّه اللّه فقال : أنا ما أنا أهل للسلطنة فقالوا : اللّه اللّه . فقال : إن كان الأمر هكذا فأمسكوا إلي هذا . وأشار إلى الوزير منجك ، وكان النائب أخوه قد توجه إلى الحجاز هو ، والأمير سيف الدين طاز ، ودبر هذا الأمر له الأمير علاء الدين مغلطاي أمير آخور فأمسك الوزير ، وكتب إلى الأمير طاز فأمسك بيبغاروس في طريق الحجاز على ما تقدم في ترجمة بيبغاروس ، وزاد مغلطاي في إمساك الأمراء ، والنواب على ما تقدم ، ولم يزل الأمر كذلك إلى أن خلع الناصر حسن في الثامن عشر من شهر جمادى الآخر نهار الاثنين سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة ، وأجلسوا أخاه الملك الصالح

--> ( 1 ) إرم : قيل إنها دمشق وقيل إنها إسكندرية وهي التي ذكرت في كتاب اللّه تعالى بقوله : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ * إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ [ الفجر : 6 - 8 ] . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 10 ) .