خليل الصفدي

159

أعيان العصر وأعوان النصر

يرى جواد قلمه عاثرا . كتب الإنشاء ، وتصرف فيه كيف شاء مع أمانة لا يرى من التكلف في وجهها كلف ، وديانة لا يلمح في رونقها تصنع من صلف ، وكرم بموجوده الحاضر ، وود يخجل من حسنه خد الورد الناضر ، وصدق لهجه ، وقول حق ولو أن فيه تلاف المهجة . وكان شعاره أشعريا « 1 » ، وعلمه عن التقليد عريا ، فكم كان عنده من التقليد أدلة ، وبراهين إذا أوردها كأنها له طبيعة ، وجبلة ، ومسائل أصول إذا سردها قلت هذه سحائب مستهلة لم أر بعده من يقول : أيها الناس أفصح منه ، ولا من خطب زان منبره ولم يشنه ، يؤدي الألفاظ بتجويد حروفها ، ويذكر القلوب القاسية بما نسيته من خطوب الدنيا وصروفها ، كم جعل العبرات على الخدود ، وهي هوامي هوامع ، وكم غادر العيون ، وهي دوامي دوامع شدت الفصاحة لحييه ، وسدت البلاغة نحييه تزور في الموعظة حدقتاه ، وتحمر لفرط الحرص على القبول وجنتاه ، كأنه منذر جيش أو منكر طيش . وكانت له في البحث سلطة ، وغلظة على خصمه لا تصحف بغلطة ، وله قدرة على التعليم ، وفراسة في وجه التلميذ إذا أخذ قوله بالتسليم يعلم من الطالب إذا فهم ، ولا يخفى عليه إذا بهم ، فلا يزال يغير له الأمثلة ، ويدير الأسئلة إلى أن تتكشف عنه الغيابة ، ويظهر له أنه حصل على العناية . ولم يزل يذكر بوعظه ، ويحبر بلفظه إلى أن رمي تفيهقه بالصمات ، ونزلت بذويه سمات الشمات . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - فجأة في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة . ومولده بالكرك سنة ثمان وخمسين وستمائة . كان والده الشيخ كمال الدين خطيب قلعة صفد ، وكان ينوب عن والده ، ويكتب الإنشاء ، ويوقع عن النواب بصفد فلما قدم الأمير سيف الدين بتخاص إلى صفد نائبا حضر معه القاضي شهاب الدين أحمد بن غانم ، وكان زين الدين عمر بن حلاوات قد قدمه الشيخ نجم الدين ، وجعله يكتب عنده فما زال يسعى إلى أن وقع الاتفاق بينهم ،

--> ( 1 ) الأشعريين هم : أصحاب أبي الحسن الأشعري المنتسب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه . قال الأشعري : إذا فكر الإنسان في خلقته من أي شيء بدأ وكيف دار في أطوار الخلقة كورا بعد كور حتى وصل إلى كمال الخلقة وعرف يقينا أنه بذاته لم يكن ليدبر خلقه ويبلغه من درجة إلى درجة ويرقيه من نقص إلى كمال عرف بالضرورة أن له صانعا قادرا عالما مديرا . ( انظر : الملل والنحل للشهرستاني : 1 / 127 ) .