خليل الصفدي

85

أعيان العصر وأعوان النصر

الدنيا عنده في أهل المقابر ، قد لزم القناعة ، وأرخى على وجه الصبر قناعه ، فهو في باب اللوق سابق غير مسبوق ، وفي ساحات المناشر سلطان من ينادم أو يعاشر ، قد هذبه زمانه ، وأطلق في الراحة عنانه ، يكتفي بالبلاغ ، ويجتزئ بما له في الحلق مساغ . ولم يزل على عالم إطلاقه ، ووميض برقه وابتلاقه ، إلى أن خرب من المعمار ربع الحياة ، وعفر التراب محياه ، وتوفى - رحمه اللّه تعالى - في طاعون مصر سنة تسع وأربعين وسبعمائة ، بعد ما نظّم في الطاعون قبل موته ، وأنشد قبل فوته : ( المضارع ) يا من تمنّى الموت قم ، واغتنم * هذا أوان الموت ما فاتا قد رخص الموت على أهله * ومات من لا عمره ماتا وكان قد كتب إليّ لما وردت القاهرة في خمس وأربعين وسبعمائة في زمن الملك الصالح إسماعيل « 1 » ، قدس اللّه روحه : ( المتقارب ) وافى صلاح الدّين مصرا فيا * نعم خليل حلّها بالفلاح فليهنها الإقبال إذ أصبحت * بالملك الصّالح دار الصّلاح فكتبت أنا الجواب إليه : ( المتقارب ) خليل في الشّام هلال بدا * وبدر إبراهيم في مصر لاح ذا كامل من حيث ذا ناقص * وذاك برهان ، وهذا صلاح ومن شعره ، وفيه لحن يسير : ( المتقارب ) وصاحب أنزل بي صفعة * فاغتظت إذ ضيّع لي حرمتي ومنه : ( الكامل ) ومفنّن يهوى الصّفا * ع ، ولم يكن إذ ذاك فنّي ملّكته عنقي الدّقي * ق فراح ينخله بغبن ما كان منّي بالرّضى * لكنّه من خلف أذني لولا يد سبقت له * لأمرته بالكفّ عنّي

--> ( 1 ) الملك الصالح : هو إسماعيل بن محمد بن قلاوون أبو الفداء علاء الدين الملقب بالملك الصالح ابن الملك الناصر من ملوك الدولة القلاوونية بمصر والشام بويع بالسلطة بمصر بعد خلع أخيه الناصر أحمد أول سنة 43 ه وكانت أمور الدولة مختلفة فأصلحها ، وحسنت سيرته . له عشرين سنة بالقاهرة ومدة سلطنته ثلاث سنين وشهر ونصف . ( انظر : بدائع الزهور : 1 / 181 ، والبداية والنهاية : 14 / 202 - 216 ، والنجوم الزاهرة 10 - 78 ، والدرر الكامنة : 1 / 380 ) .