خليل الصفدي
72
أعيان العصر وأعوان النصر
ولم يزل يكتب ويجمع ، ويسمو بهمته إلى تحصيل ما يسمع ، إلى أن فتح الموت لابن الضّريّر عينيه ، وخر صريعا لليد ، والفم بين يديه . وتوفى - رحمه اللّه تعالى - في عاشر شهر ربيع الآخر سنة إحدى وستين وسبعمائة . ومولده أول كان هذا تقي الدين أديب حلب ، ومأوى من يرد إليها من الشعراء والأدباء الغرباء . كتب بخطه شيئا كثيرا من كتب الأدب ، ومصنّفات أهل عصره ، وكان له ذوق في الأدب ، ويحفظ شعرا كثيرا للمتقدمين والمتأخرين ، ولم أسمع له نظما . ولما وردت إلى حلب في سنة ست وخمسين وسبعمائة ، كتب بخطه من تصانيف « توشيع التوشيح » ، وكتاب « نصرة الثائر على المثل السائر » ، وغير ذلك ، وسمع كتابي « الروض الباسم » وغيره ، وعلى الجملة كان فريد زمانه في بابه . ورثاه علي بن الحسين الموصلي بقوله : ( البسيط ) يا ابن الضّريّر كم عين أضرّ بها * مرآك فوق سرير الموت محمولا قضيت عمرك في الفردوس مشتغلا * ومذ قضيت إليه كنت منقولا 56 - إبراهيم بن محمود بن سلمان بن فهد الحلبي « 1 » القاضي الرئيس الكاتب البليغ جمال الدين أبو إسحاق ، كاتب السر الشريف بحلب ، أحد من كتب المنسوب الفائق وأبرزه ، وهو أتقى من الأحداق ، وآنق من الحدائق ، كأن طروسه خمائل ، وسطوره أعطاف غيد موائل ، لا يشبع الناظر من تأملها ، ولا تشكو القلوب من تحملها وتجملها ، إلى أخلاق يتعلم منها نسيم الصبا ، وتثني عليها النفحات من زهر الربا ، ومفاكهة ألذ من مسامرة الحبيب ، وأشهى من التشفي بأذى الحسود والرقيب . وكان يستحضر كثيرا من شعر المتأخرين ، وتراجم أهل الآداب ، والصلاح من المعاصرين ، وله نظم يروق ، ونثر يفوق ، ولم يزل يتولى ، ويعزل من كتابة السر ، ويفعل ما تصل إليه مقدرته من البر ، إلى أن حل به الحين ، واتّخذ له من باطن الأرض أين . وتوفى - رحمه اللّه تعالى - في يوم عرفة سنة ستين وسبعمائة . ومولده سنة ست وسبعين وستمائة في شعبان . وكان قد توجّه مع والده إلى الديار المصرية ، وباشر هناك كتابة الإنشاء ، وسمع من
--> ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 1 / 71 ، والوافي بالوفيات : 6 / 143 ، والمنهل الصافي : 1 / 172 .