خليل الصفدي

5

أعيان العصر وأعوان النصر

وعكف طويلا عند حلقة الإمام الذّهبي ، وتردد كثيرا على دروس أبي الفتح ابن سيد الناس . وفي كيفية ترجمة الأعلام وترتيبها وتبويبها . ولقد كان حلّه وترحاله في مجالس الإمام السّبكي - صاحب طبقات الشافعية - وعلى أيدي أبي الحجاج المزي وأبي عبد اللّه الذهبي : عبّ من دروس الفقه وشاهد عملاقية العلماء وأدب الفقهاء وأعجب كثيرا بما ذكره الإمام الذهبي عن أبي حنيفة النعمان وتلميذه أبي يوسف . عندها اختلفوا في مسألة في مسجد الكوفة بعد صلاة العشاء ، وحمل كل منهم حذاءه للخروج من المسجد ، وعلى باب المسجد وقف الأستاذ وتلميذه وأخذا يتحاوران أمام باب المسجد وكل منهما يحمل حذاءه حتى سمعا صوت المؤذن يؤذن لصلاة الفجر . فقال الأستاذ لتلميذه : هيا بنا ندخل إلى المسجد للصلاة ثم نعود لإتمام الحديث في هذه المسألة . إنهم عباقرة الإسلام الذين تربّوا في مدرسة النبوة ونهلوا من ينابيع القرآن الكريم ، وأحاديث الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . ولقد أخذ الصفدي النحو وما كتبه سيبويه في حلقة أبي حيّان التوحيدي . وعبّ من ينابيع الأدب على يد شيخ الشيوخ شهاب الدين محمود ولازمه ، وعن الشعر وخيالاته ، وقوافيه وتقطيعاته . عبّ من منهل الشاعر الكبير الذي طوّف به على شعراء العربية مثل : جرير والفرزدق ، وأبو الفوارس بن حمدان ، وأبي العلاء المعري ، وغاص به في تحليقات حكم المتنبي ، وسيوف حسان بن ثابت التي أرعبت الشرك وأهله ، ودمّرت الأصنام والأوثان وملأت بالغزي من قدم لها القرابين ، وطاف حولها برجله . ثمّ ما ذا . . . ؟ . ظهر الصفدي على الساحة يكتب الخط الجميل ويقول النّظم الرائق ، ويؤلف المؤلفات الفائقة . عندها اختير ليكون كاتب الإنشاء في مصر ودمشق ، ثم ولى كتابه السر بحلب ، ثم وكالة بيت المال في الشام كلها . يقول الشيخ الذهبي عنه في المعجم المختص : الإمام العالم ، الأديب البليغ ، طلب العلم وشارك في الفضائل ، وساد في علم الرسائل وقرأ الحديث ، وكتب المنسوب وجمع وصنّف . وقال الحسين : كان إليه المنتهى في مكارم الأخلاق ومحاسن الشّيم . وقال الإمام ابن كثير عنه : كتب ما يقارب مائتين من المجلدات . وقال عنه ابن سعد صاحب الطبقات : كان هذا الرجل من بقايا الرؤساء الأخيار وقد وجد بخطه قوله : « كتبت بيدي ما يقارب خمسمائة مجلدة . ولعلّ الذي كتبته في الإنشاء ضعف ذلك » .