خليل الصفدي
463
أعيان العصر وأعوان النصر
العود مرض ولده أحمد ، ومرض بكتمر والده بعده ، ومات ابنه قبله بثلاثة أيام ، وعمل السلطان لأحمد تابوتا ، وغشاه بجلد جمل وحمله معه ، ولما مات بكتمر أمر السلطان للأمير سيف الدين بهادر المعزي أن يدفنهما في الطريق عند نخل ، وحثّ السير بعد ذلك . وكان السلطان بعد ذلك في تلك السفرة كلها لا ينام ، إلّا في برج خشب وبكتمر عنده ، وقوصون على الباب والأمراء والمشايخ كلهم حول البرج ، ينامون بسيوفهم ، فلمّا مات بكتمر ترك السلطان ذلك ، فعلم الناس أن ذلك الاحتراز كان خوفا من بكتمر ، وقيل : إنه دخل إليه السلطان وهو مريض في الحجاز ، فقال : بيني وبينك اللّه ، فقال : كل من عمل شيئا يلتقيه . ولما مات صرخت أم أحمد وبكت وأعولت ، إلى أن سمعها الناس تتكلم بكلام قبيح في حق السلطان ، من جملته : أنت تقتل مملوكك ، أنا ابني إيش كان ؟ ، فقال لها : بس تفشرين هاتي مفاتيح صناديقه ، أنا كل شيء أعطيته من الجوهر أعرفه واحدا واحدا ، فرمت بالمفاتيح إليه فأخذها . ولما حضر السلطان أظهر الندم عليه والخزن والكآبة ، وأعطى أخاه قماري إمرة مائة وتقدمة ألف ، وكان يقول : ما بقي يجينا مثل بكتمر ، ثم إنه أمر بحمل رمّته ورمة ولده من طريق الحجاز ، ودفنهما في تربته بالقرافة ، وكان للزمان به جمال ، وعلى الملك به رونق . جاء أحمد بن مهنّا « 1 » بعد قدوم السلطان من الحجاز ، ودخل يوما إلى قاعدة الإنشاد ، وقال لنا سرّا : بيت السلطان الآن يعوز شيئا ، وذلك الشيء كان بكتمر الساقي . وقيل : إن السلطان كان يسير في طريق الحجاز وراء محفّة بكتمر ، وهو فيها مريض قدر رمية نشّاب ، فإذا وقفوا به وقف ، وإذا مشوا به مشى ، ويجهز إليه بغا الدوادار ؛ لكشف خبره ، فلمّا جاء إليه ، وقال : يا خوند ، مات ساق في مماليكه الخواص ، وقال للحاج بهادر المعزي : يا أمير قف وغسّله ، وادفنه خلاه ، وسار يحث السير ، فعند ذلك نزل الأمير سيف الدين قوصون عن هجينه ، بعد ما عرّج عن الطريق ، يظهر أنه بريق الماء ، واستند إلى الهجين ، وجعل يبكي والمنديل على عينيه ، فقال له المملوك الذي معه : يا خوند ، ليش تبكي ؟ ما كان بكتمر عدوّك ، فقال : ويلك أنا ما أبكي إلّا على نفسي ، هكذا يفعل ببكتمر ! ، ومن فينا مثل بكتمر ! ، ومن بقي بعد بكتمر ! ما بقي إلّا أنا . وكان قصر بكتمر في سريا قوس ، بخلاف قصور بقية الأمراء ؛ لأنه قبالة قصر السلطان ، بحيث إنهما يتحادثان من داخل القصر ، وعمّر له بالقرافة خانقاه وتربة مليحتين ،
--> ( 1 ) أحمد بن مهنا هو : أمير فضل اللّه ، المتوفى في سنة 747 ه . ( انظر : المنهل ) .