خليل الصفدي
460
أعيان العصر وأعوان النصر
ملوّحا : الحي خير من الميت ، فليقم هذا من السجن في بيت ، إلّا أنه يضر به ما يقارب السبعمائة عصا ، إلى أن يلوك من الألم الحصى ، فكثر بذلك العبث والفساد في بلاد صفد ، وزاد المتحرّم وحشد . وحجّ حجة ، وأنفق فيها أموالا عظيمة ، وأعطى الفقراء والمجاورين بالحرمين ما جلّى به لياليهم البهية ، وحمل إلى مكة القمح ، وفرّقه فيها بكفه السمح ، وأنشأ بصفد مكانا يعرف بالمغارة والصهريج ، وعمّره بنفسه وبمماليكه من غير ترويج ، ودفن به إحدى زوجاته أم بنيه ، ورتب له على الديوان ما يكفيه . ولما كان بمصر وهو نائب ، نزل السلطان إلى المطعم ، وخرج من السرج ، ومال إليه ، وقال : يا عم ما بقي في قلبي من أحد من هؤلاء الأمراء أن أمسكه ، إلّا فلان وفلان ، وذكر له أميرين ، فقال له : ما تطلع من المطعم ، إلّا وتجدني قد أمسكتهما ، وكان ذلك يوم الثلاثاء ، فقال السلطان : لا يا عم ، ألا دعهما إلى يوم الخميس ، أو يوم الجمعة نمسكهما بعد الصلاة ، فقال : السمع والطاعة . ثم إنه جهّز له تشريفا كاملا ، ومركوبا هائلا ، وإنعاما من الذهب ، فلمّا كان يوم الخميس ، قال له : غدا نمسكهما ، فلمّا كان يوم الجمعة ، قال له في الصلاة : أين هما ؟ قال : حاضران ، فقال بعد الصلاة : تقدم بما قلت لك ، فلمّا انقضت الصلاة ، قال : واللّه يا عم ، ما لي وجه أراهما ، وأستحيي منهما ، ولكن إذا دخلت أنا في الدور أمسكهما أنت ، وتوجّه بهما إلى المكان الفلاني ، تجد منكلي وقجليس سلّمهما إليها وروح ، فلمّا أمسكهما ، وتوجّه بهما إلى ذلك المكان وجد الأميرين منكلي بغا وقجليس هناك ، فقاما إليه ، وقالا له : عليك سمع وطاعة لمولانا السلطان ، وأخذ سيفه ، فقال : يا خوش داش ما هو هكذا الساعة كما فارقته ، وقال : أمسك هذين ، وتوجه بهما إلى فلان وفلان ، فأطلقاهما وأمسكاه ، وكان ذلك آخر العهد به ، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وسبعمائة - فيما أظن . ولما كان في صفد كانت كتب السلطان ترد من الكرك « 1 » إلى ابنه الأمير ناصر الدين محمد ، يقول له : يا أخي تقول لعمي كذا وكذا ، وطول روحك إلى أن يقدّر اللّه الخير .
--> ( 1 ) الكرك : بفتح أوله وثانيه وكاف أخرى اسم لقلعة حصينة جدا في طرف الشام من نواحي البلقاء في جبالها بين أيله وبحر القلزم وبيت المقدس ، وهي على سن جبل عال تحيط به أودية إلا من جهة الربط ، قال : والكرك أيضا قرية كبيرة قرب بعلبك بها قبر طويل يزعم أهل تلك النواحي ، أنه قبر نبي اللّه نوح عليه السلام . ( انظر : معجم البلدان : 4 / 453 ) .