خليل الصفدي

46

أعيان العصر وأعوان النصر

وكان صادق اللهجة فيما ينقله ، حاذق المهجة فيما يتروى فيه أو يتعقله ، طويل الروح على الدرس والأشغال ، كثير التوغل في الإيضاح والإيغال ، حريصا على تفهيم الطالب ، يودّ لو بذل كنوز العلم وما فيه من المطالب ، لا يعجبه من يورد عليه تشكيكا ، ولا من يطلب منه تنزيل ألفاظ ولا تفكيكا ؛ لأنه هو فيما بعد ذلك يتبرع ، فما يحب من غيره أن يسابقه ولا يتسرع ، وذلك ليبس في مزاجه ، وحدّة تلحقه عند انزعاجه ، وحاجة إلى استعمال خيار الشمبر لعلاجه ، فقد كان ذلك نقله على الدوام ، ولا يخل باستعماله في يوم من الأيام ، وكان رقيق البشرة ، ظاهر الوضاءة ، كأن وجهه حبرة ، وله حظّ وافر من صدقة وصيام ، وتهجّد في الليل وقيام ، قلّ أن يخرج الشهر وما يعمل فيه لأهل مدرسته طعاما ، ويدخلهم إلى منزله فرادى وتوأما ، ويقف لهم عند الباب ، ويدعو لهم ويشكرهم ، ويعرفهم بالميعاد الثاني وينذرهم ، وفتاويه كلها مسددة ، واحترازاته وقيوده فيها مشددة . قد كفّ لسانه وسمعه عن الغيبة ، ومنعها من مجلسه دفعة منجمعا عن الناس ، يجد في الوحشة منهم غاية الإيناس ، وتنجز من السلطان مرسوما أن لا يحضر مجلسا إذا عقد ، ولا يطلب لذلك إذا فقد ، وطلب للقضاء بعد ابن صصرى ، فاستعفى لذلك وصمم ، وألحّ عليه الأمير سيف الدين تنكز ، فخصص الامتناع وعمّم ، وحجّ غير مرة ، وتجرع من التكلف لذلك كل مرة . وحدث بالصحيحين ، وفاز من الرواية والدراية بالقدحين الربيحين ، وخرج له الشيخ صلاح الدين العلائي مشيخة قرئت عليه ، وسردها الناس لديه ، وولي الخطابة بالجامع الأموي بعد عمه الشيخ شرف الدين ، ثم عزل نفسه ، وقلع منها ضرسه . ولم يزل على تلك الطريقة التي أخذها عن السلف ، وتفرد بارتكابها في الخلف ، إلى أن جاء المحاق لبدره ، وانطبقت على درّته الثمينة صدفتا قبره ، ففجع الناس فيه ، وعدموا اللؤلؤ الذي كان يقذفه بحر علمه من فيه ، وراح إلى اللّه على أتم سداد ، وأكمل اعتداد ليوم المعاد ، وكانت جنازته مشهودة ، وآلاف من حضرها غير معدودة ، فرحم اللّه روحه ، ونوّر بالمغفرة ضريحه . مولده في شهر ربيع الأول سنة ستين وستمائة ، ووفاته في يوم الجمعة السابع من جمادى الأولى في سنة تسع وعشرين وسبعمائة . وله نظم ونثر ممتع ، لا ينحطّ في ذلك ولا يرتفع ؛ ومنه قوله وقد ترك الخطابة : ( الطويل ) ولست بريئا بينهم فأفيدهم * ألا إنّما تشفي مواعظ من بري