خليل الصفدي
449
أعيان العصر وأعوان النصر
قوصون إلى الشّبّاك ، وطلب بشتاك ، وقال : يا أمير ، تعال أنا ما يجيء مني سلطان ؛ لأني كنت أبيع الطسما « 1 » والبرغالي والكشاتوين ، وأنت اشتريت مني ، وأهل بلاد يعرفون ذلك مني ، وأنت ما يجيء منك سلطان ؛ لأنك كنت تبيع البوزا « 2 » ، وأنا اشتريت منك ، وأهل البلاد يعرفون ذلك منّا ، ولا يكون سلطانا من بيع الطسما والبرغالي ، ولا من عرف ببيع البوزا ، وهذا أستاذنا هو الذي أوصى لمن هو أخبر به من أولاده ، وهذا هو في ذمّته ، وما يسعنا إلّا امتثال أمره حيّا وميتا ، وأنا فما أخالفك إن أردت أحمد أو غيره ، ولو أردت تعمل كل يوم سلطانا ما خالفتك ، فقال بشتاك : كل هذا صحيح ، والأمر أمرك ، وأحضر المصحف ، وحلفا عليه بعضا لبعض ، وتعانقا وتباوسا ، ثم قاما إلى رجليّ السلطان فقبلاهما ، ووضعا أبا بكر ابن السلطان على الكرسي ، وباسا له الأرض ، وحلفا له ، وسمّياه المنصور . ثم إن بشتاك طلب من السلطان الملك المنصور نيابة دمشق ، فرسم له بذلك ، وكتب تقليده ، وبرّز إلى ظاهر القاهرة ، وبقي هناك يومين ثلاثة ، ثم إنه طلع إلى السلطان ؛ ليودّعه ، فوثب عليه الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخري ، وأمسك سيفه ، وتكاثروا عليه فأمسكوه ، وجهّزوه إلى الإسكندرية ، واعتقلوه بها ، ثم إنه قتل في الحبس في أول سلطنة الأشرف كجك في شهر ربيع الآخر تقريبا سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة . وكان - رحمه اللّه تعالى - شابا أبيض اللون ظريفا ، مديد القامة نحيفا ، خفيف اللحية ، كأنها عذار ، أوليقة عنبر دار بها البركار ، على حركاته رشاقة ، وفي سكناته لباقة ، حسن العمّة يتعمّم الناس أنموذجها ، وكأنهم يتناولون منها حلوى فالوذجها ، إلّا أنه - رحمه اللّه - كان غير عفيف الفرج ، زائد الهرج والمرج ، لم يعفّ عن مليحة ولا قبيحة ، ولم يدع أحدا يفوته ولو كانت بفرد عين صحيحة ، يمسك حتى نساء الفلّاحين ، ومن هي من زوجات الملّاحين ، واشتهر بذلك ورمي فيه بأوابد ، وأثار الناس عليه من ذلك لبؤات لوابد . وكان زائد البذخ ، منهمكا على ما يقتضيه عنفوان الشبيبة والشرخ ، كثير الصلف والتيه ، لا يظهر الرحمة ولا الرأفة في تأتّيه . ولمّا توجه بأولاد السلطان ؛ ليفرجهم في دمياط ، رأيته في كل يوم يذبح لسماطه خمسين رأس غنم وفرسا ، لا بد منه خارجا عن الإوز والدجاج ، وأخبرني سيف الدين طغاي مملوك الأمير شرف الدين حسين بن جندر ، وكان أمير مجلس عنده ، قال : لنا راتب
--> ( 1 ) الطسما : نوع من الأطعمة التي كانت منتشر في ذلك العصر . والتي تشبه في عهدنا الراهن « الكشري » والفول والطعمية . ( 2 ) البوزا : نوع من الأشربة والتي تسمى عند العامة إلى وقتنا الراهن « البوظا » بالظاء لا بالزين .