خليل الصفدي
429
أعيان العصر وأعوان النصر
وكنت أنا بالقاهرة في سنة خمس وأربعين وسبعمائة ، وكتبت تقليده بنيابة غزة ارتجالا من رأس القلم وهو : الحمد للّه الذي زاد أولياء دولتنا القاهرة عزّا ، وجعل أصفياء أيامنا الزاهرة كفاة تعود الممالك بهم حرزا ، وجرّد من أنصارنا كلّ نصل راع حدا ، وراق هزّا ، ووفّق آراءنا الشريفة ؛ لأن يكون من نعتمد عليه يسند إليه العز ويعزى ، نحمده على نعمه التي عمّت ، ومننه التي طلعت أقمارها وتمّت ، وأياديه التي قادت الألطاف إلى حرمنا وزمّت . ونشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، شهادة مهّد الإيمان قصدها ، وجدّد الإيقان عهدها ، وشيّد الإدمان مجدها ، وأيّد البرهان رشدها ، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي هدى به الأمة ، وبدا به الأمور المهمّة ، وجلا بأنوار بعثته من الكفر الدياجي المدلهمّة ، ونفى بإبلاغ رسالاته ثبوت كلّ ثبور ، وألمّ كلّ ملمّه ، صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه الذين تلألأت أنوارهم ، وتوضحت في آفاق المعالي أقمارهم ، وتوشّحت بلآلي السيادة أزهارهم ، وتفتحت للسعادة بصائرهم وأبصارهم ، صلاة ظلال رضوانها مديدة ، وخلال غفرانها عديدة ، ما افترّ ثغر صبح في لعس ظلام ، واهتزّ في الحرب قدّ رمح ، وتورّد بالدم خدّ حسام وسلم ، وبعد : فإن ممالكنا الشريفة منها ما هو عالي المكانة ، داني المكان موفّر الاستكانة ، موفّى النعمة بالسكان ، موطّأ الأكناف موطّد الأركان ، موسّع الأفنية موشّع الأفنان ، وقد جاوز الأرض المقدّسة ، وبرز رافلا من خمائله في حلله المقدسة ، ونوّه الذكر محاسنه لما نوّع الاعتدال خيره وجنّسه . كم فيه من كثيب رمل أوعس ، وحديقة إذا بكى الغمام عليها تبسم ثغر زهرها الألعس ، وروض حكى القدّ الأملد قضيبه الأملس ، قد اكتنفه البرّ والبحر ، وأحاطت به المحاسن إحاطة القلائد بالنحر ، وبرز بين مصر والشام برزخا ، وكثرت خيراته فهو لا يزال مهبّ رخاء الرّخا ، وإلى غزة ترجع هذه الضمائر ، وعلى سرها تدل هذه الأمائر ، كاد النجم ينزل إلى أرضها ؛ ليتنزه ، وقصّر وصف الواصف عنها ولو أنه كثيّر وهي عزّه ، وكانت غرّة في وجه الشام ، فنقّطها سواد العين بإنسانه فصارت غزّه ، وكفاها فخرا بما يروى عنها أن الإمام الشافعي « 1 » رضي اللّه عنه منها .
--> ( 1 ) الشافعي : هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلب ، أبو عبد اللّه أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة وإليه نسبة الشافعية كان ولد في غزة ( بفلسطين ) وحمل إلى مكة وهو ابن سنتين وزار بغداد مرتين وقصد مصر سنة 199 ه ، فتوفى بها سنة 204 ه . وقبره معروف بالقاهرة قال المبرد : كان الشافعي أشعر الناس وأدبهم وأعرفهم بالفقه والقراءات له العديد -