خليل الصفدي

400

أعيان العصر وأعوان النصر

وسيّر إليهم يقول : لا يعود يجيء إليّ رسولا غير هذا ، فلمّا قدم مصر عظّمه . ولم يزل موقرا مبجّلا ، عمّر بالحسينية جامعا ، مليحا إلى الغاية ، وله دار عظمى مليحة عند مشهد الحسين رضي اللّه عنه داخل القاهرة ، ومسجد حسن إلى جانبها . خرّج له شهاب الدين أحمد بن أيبك الدمياطي مشيخة ، وقرئت عليه مرّات وهو جالس في شبّاك النيابة بقلعة الجبل . ولما تولى الملك الناصر أحمد أخرجه إلى نيابة حماة ، فحضر إليها وأقام بها ، إلى أن تولّى الملك الصالح إسماعيل ، فأقدمه إلى مصر ، وأقام بها على حاله الأولى . ولما أمسك آقسنقر السّلّاري - نائب مصر المقدّم ذكره - ولّاه النيابة مكانه ، فشدّد في الخمر إلى الغاية ، وحدّ الناس عليها وجنّاهم ، وهدم خزانة البنود ، وأراق خمورها ، وبناها مسجدا ، وحكرها للناس فعمّروها دورا ، وأمسك الزمام زمانا ، وكان يجلس للحكم في الشبّاك طول نهاره ، لا يملّ من ذلك ولا يسأم ، ويروح أصحاب الوظائف ، ولا يبقى عنده إلّا النقباء البطّالة . وكان له في قلوب الناس مهابة وحرمة ، إلى أن تولّى السلطان الملك الكامل شعبان ، فأخرجه أوّل سلطنته إلى دمشق نائبا عوضا عن الأمير سيف الدين طقزتمر ، فلمّا كان في أول الطريق حضر إليه من قال له : الشام بلا نائب فسق لتلحقه ، فخفّف من جماعته ، وساق في جماعة قليلة ، فحضر إليه من أخذه ، وتوجّه به إلى صفد نائبا ، فدخلها في أواخر شهر ربيع الآخر سنة ست وأربعين وسبعمائة ، ثم إنه باطن الأمير سيف الدين قماري « 1 » نائب طرابلس على الهروب أو الخروج على السلطان ، أرجف الناس على السلطان ، فحضر من مصر من كشف الأمر ، وسأل هو التوجّه إلى مصر ، فرسم له بذلك فتوجّه ، فلمّا وصل غزة أمسكه نائبها الأمير سيف الدين أراق « 2 » ، وجهّز إلى الإسكندرية في أواخر سنة ست وأربعين وسبعمائة ، وكان ذلك آخر العهد به . وكان خيّرا فيه دين ، وعبادة نورها على الجبين ، يميل إلى أهل الخير والصلاح ، ويتخذ من أدعيتهم السلاح ، وكان بركه من أحسن ما يكون ، وخيله تكاد إذا جرت ترمي الرياح بالسّكون ، وكان يقول : كل أمير لا يقيم رمحه ، ويسكب الذهب إلى أن يساوي السّنان ما هو أمير .

--> ( 1 ) سيف الدين قماري هو : لاقماري بن عبد اللّه الناصري ، المتوفى في سنة 747 ه . ( 2 ) سيف الدين أراق هو : أراق بن عبد اللّه الفتاح . ( انظر : الوافي بالوفيات : 8 / 332 ، والمنهل الصافي : 2 / 289 ) .