خليل الصفدي
395
أعيان العصر وأعوان النصر
قد أيّد الرّحمن ملّة أحمد * بالنّاصرين محمّد ، ومحمّد فتوسّطا له عند مخدومهما ، فأعطاه إقطاعا في حلقة دمشق ، وكان أمره أحد الأسباب التي أوقعت بين تنكز والجاوليّ ، وبقي الطنبغا بدمشق مقيما ، وأمسك الجاوليّ ، وأقام في الاعتقال مدة ، ولمّا أفرج عنه ، توجّه إليه الطنبغا وخدمه مدة ، ثم إنه أخرجه إلى دمشق في أيام الأمير علاء الدين الطنبغا ، وجعله من جهته مشدا على الوقف المنصوري . واجتمعت به كثيرا ، في القاهرة ، ودمشق ، وبيني وبينه مكاتبات ومجاراة ، ومطارحات ومباراة ؛ لأنه كان ينظم الدّرّ شعرا ، ويباهي به النّثرة والشعرى ، قد جوّد المقاطيع ، وأبرزها كأزهار الربيع ، ولكن قصائده دوّنها في الطبقة ، وبروقها ليست في سماء الإجادة مؤتلقة . وكان يتمذهب للشافعي ، وله اجتماع بالشيخ صدر الدين محمد بن الوكيل وغيره من فضلاء العصر ، ويبحث جيّدا ، ولم يكن عن طرائق الفضل متحيدا ، وعقيدته للأشعري منسوبة ، وفي عداد أصحابه محسوبة . ولما توجه معي إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية سال ذهنه إليه ، وأقبل بجملته عليه ، ومال إلى قوله ، ودار من حوله ، ثم إنه بعد فراقه تراجع عنه إلّا بقايا ، وادكر غدوات قربه والعشايا . وكان وجها في حسنه بديعا ، ومحيا يذر قلب ناظره صريعا ، مديد القامة ، يرخي على بدر وجهه من شعره ظلامة . وكان بالكيمياء مغرى ، قد أنفق فيها مالا ودهرا ، وخرج من الدنيا - رحمة اللّه تعالى - وهو يرى كفه صفرا . وكان صحيحا وده ، منحك إخلاصه لا يرده ، قلّ من صحبته فأنصفني مثله في الحضور والغيبة ، لا أسمع منه كلمة جفاء ، ولا يبلغني عنه غيبة ، ، ولم يزل شملي به مجموعا ، وقولي عنده كما أمره عندي مسموعا ، إلى أن استقى على غير ظمأ ، وصافحه في قبره الحور وملائكة السّماء . وتوفى - رحمه اللّه تعالى - بعلة الاستسقاء في شهر ربيع الأول ثامنه سنة أربع وأربعين وسبعمائة . ( البسيط ) إليك صلاح الدّين أهدي تحيّة * كنشر عبير في الجيوب إذا فضّا ومن عجبي أنّ الدّيار قريبة * وما فزت منكم بالوداد الّذي أرضى فمن بعدكم قلبي تألّف بالأسى * ومن بعدكم لم أدر نوما ، ولا غمضا وإنّي على العهد الّذي تعهدونه * مقيما أرى حفظ الوداد لكم فرضا