خليل الصفدي
367
أعيان العصر وأعوان النصر
آمنه ، فحضر إلى دمشق فأكرم ، وأقره على نيابة الشام في الركوب والوقوف والخدمة وقراءة القصص ، وسافر معه إلى مصر على حاله ، ولما استقر جلس السلطان على كرسي الملك ، أعطى الأفرم صرخد على عادة العادل كتبغا ، وأخرج سلار إلى الشوبك . ونقل إلى السلطان أن الأفرم وسلار يتراسلان ، فولى الأفرم نيابة طرابلس ، وقال له : لا تدخل دمشق ؛ خشية أن تنشب أظافره فيها ، ويقول أهلها معه محبة فيه ، فتوجه إلى طرابلس وهو على وجل ، ويخرج كل ليلة بعد العشاء هو ومن يثق إليه من دار السلطنة إلى مكان ينامون فيه بالنوبة ، وخيلهم معهم ، وربما هوموا على ظهور الخيل ، ثم إنه أتاه مملوك كان له في مصر ، وقال له : السلطان رسم لك بنيابة حلب ، ورسم لك أن تروح إلى مصر ؛ لتلبس تشريفك ، وتأخذ تقليدك وتعود ، فطار خوفا ، وكان في مرج ، فأتاه في الحال مملوك ، أخبرني القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل اللّه ، وحكى لي عماد الدين إبراهيم ابن الشيخ شهاب الدين الرومي ، أن الأفرم ما خرج إلى مرج لاجين إلّا بنيّة الهروب . قال : وكنت عنده قبل خروجه إلى المرج المذكور يوما ، فبينما نحن قعود نأكل ؛ إذ جاء إليه مملوك من مماليك قرا سنقر ، فسلم عليه ، ثم قعد يأكل معه حتى فرغنا ، وخرجت المماليك ، ولم يبق عنده أحد إلّا جمدارية النوبة وأنا لا غير ، فقدم إليه المملوك ، وقال له : أخوك يسلم عليك ، وقد بعث لك معي هدية ، فقال : وأين الكتاب ؟ قال : ما معي كتاب قال : فالمشافهة ، قال : ما معي مشافهة ، ولكن هدية لا غير ، فقال : هاتها ، فأخرج خرقة وحلها ، وناوله تفاحة ، ثم ناوله بعدها مئزرا أسود ، ثم ناوله بعدها نصفيّة هكذا على الترتيب ، ثم خرج ، فقال له : اقعد ، فقال : ما معي دستور أن أقعد بعد إيصال الهدية ، فوجم الأفرم وساره في أذنه ، وأعطاه نفقة ، وسفره لوقته ، فلمّا خرج قال لي : أتعرف أيش هي الهدية ؟ فقال له : لا ، واللّه يا خوند لا يكثر اللّه له خيرا ، قال : اسكت ويلك بعث يقول : إن كنت تريد أن تشم هواء الدنيا مثل ما تشم هذه التفاحة ، فأته في الليل الذي هو مثل هذا المئزر ، وإلا فهذه النصفيّة مثل كفنك ، قال : فعجبت لسرعة فطنة الأفرم لقصده ، وما رمز عليه . وخرج الأفرم ، ولاقاه الزردكاش وسارا معا ، وعبر الأفرم على مرج الأسل ، وبه العسكر المصري مجردا ؛ لمنعه من اللحاق بقرا سنقر ، فلمّا أشرف على المرج ، رأى العسكر قال : شدوا لي حماما ، وكان حصانا له يعتمد عليه فركبه ، وعليه كبر أطلس أحمر وكوفية ورمحه بيده ، ثم قال للثقل يكاسرون ويعبرون ، فلمّا عبروا لم يتعرض إليهم أحد ، ثم أمر الطلب أن يدخل مفرقا ، وقال : ؛ لأن هؤلاء إذا دخلوا عليهم وما أنا فيهم ، ظنوا أنني في الصيد ، وما القصد إلّا أنا ، فما يعارضونهم إليهم ، ولما تعدوهم أقبل هو وحده ، وشق العساكر ، ولم يفطن له أحد ، ولا عرف أنه الأفرم ، ولما خرجوا من المضيق اجتمعوا ،