خليل الصفدي

347

أعيان العصر وأعوان النصر

فيها مديدة ، وجهز السلطان الأمير سيف الدين كراي المنصوري « 1 » في عساكر الشام مجردا ، فأقام على حمص مدّة ، ولما كان عصر نهار آخر شهر رمضان سنة إحدى عشرة وسبعمائة - فيما أظنّ - ساق كراي بالعسكر جريدة من حمص إلى حلب في ليلة واحدة ، وما خرج أسندمر من داره لصلاة العيد إلّا وقد أحاطت العساكر بدار النيابة ، ووعروا الباب عليه بالأخشاب وغيرها ، وأمسكه كراي بكرة نهار عيد رمضان ، وجهز إلى باب السلطان على البريد مقيدا ، وكان ذلك آخر العهد به - رحمه اللّه تعالى - . وقيل : إنه جهزه إلى الكرك هو والجوكندار وبتخاص « 2 » وغيرهم ، وجاء الخبر إلى دمشق بوفاة بتخاص وأسندمر في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وسبعمائة . وكان جبارا ، يسفك الدماء جهارا ، ويجري منها على الأرض أنهارا ، نوع الإزهاق ، وعاجل تلاف النفوس بالإرهاق ، سلخ وسلق ، ووسط وشنق ، وكحل وقطع الأطراف ، وبالغ في هلاك الأجساد ، وتعدى حد الإسراف . وكان منهوما في الأكل الذريع ، وكأنّ ما يأكله نوع من الضريع ، قيل : إنه كان يعمل له بعد العشا خروف مطجن ، سمين موجن ، فيأكله جميعه ، ولا يؤثر به ضجيعه ، ثم إنه بعد ذلك يعمل له بيده من الحلاوة السكب صحنا ، ويأكله سخنا ، وكان يحبّ الفضلاء ، ويؤثر النبلاء ، ويسأل عن غوامض ، ويعترض ويناقض . حضرت من عنده مرة فتيا إلى دمشق يسأل فيها : أيما أفضل الولي أو الشهيد ، والملك أو النبي ، فصنّف له الشيخ صدر الدين بن الوكيل في ذلك مجلدا ، وصنف له الشيخ برهان الدين الفزاري في ذلك جوابا - فيما أظن ، وصنف كمال الدين بن الزملكاني في ذلك مجلدا مصنفين ، وصنف له الشيخ تقي الدين بن تيمية مجلدا . ولما كان بحلب طلب الشيخ صدر الدين بن الوكيل - وكان ذلك قبل صلاة الجمعة - وسأله عن تفسير قوله تعالى : وَالنَّجْمِ إِذا هَوى [ النجم : 1 ] . فقال : هذا الوقت يضيق عن الكلام على هذه المسألة . ووهبه أسد الغاب لابن الأثير « 3 » في نسخة مليحة ، وقال له : لازمني ، وكان بعد ذلك

--> ( 1 ) أورد له المصنف ترجمة . ( 2 ) أورد له المصنف ترجمة . ( 3 ) ابن الأثير : هو المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني أبو السعادات مجد الدين المحدث اللغوي الأصولي ، ولد عام 544 ه ، ونشأ في جزيرة ابن عمر وانتقل إلى الموصل ، وأصيب بالنقرس ولازمه إلى أن توفى سنة 606 ه ، في إحدى قرى الموصل من كتبه « النهاية في غريب الحديث » ، -