خليل الصفدي

299

أعيان العصر وأعوان النصر

ولا يسير عن ذهنه قضية انقضت أو سدت ، يحدث عما بين عاد وبينه ، وصدغاه في خدي علامس مراهق ولم يزل أرغون الكاملي في محاق وكمال ، وزيادة وزوال ، إلى أن قصدت نحوه المنية ، حتى وهبت حسن وجهه للتراب . أول ما أنشأه الملك الصالح إسماعيل ، وزوجه أخته من أمه بنت الأمير سيف الدين أرغون العلائي ، وذلك في سنة خمس وأربعين وسبعمائة ، وجهزه عقيب زواجه إلى الأمير بدر الدين جنكلي ، وقال : انزل إلى الأمير بدر الدين ، وقبّل يده فحضر إليه ، وكنت جالسا عنده ، فلمّا دخل إليه أعظمه وبجّله ، وبش له وهش ، وأجلسه وأحضر له قبا بطرز زركش وألبسه إياه ، ولم يكن الأمير بدر الدين ممن يهوى المرد ، ولا يميل إليه ، فلمّا خرج من عنده قال لي : أرأيت ما أحسن وجه هذا وعيونه ؟ فقلت له : نعم رأيت ، ونعم ما رأيت . وكان يعرف في حياة الصالح إسماعيل بأرغون الصغير ، فلمّا مات الصالح - رحمه اللّه تعالى - ، وتولى الملك أخوه الملك الكامل شعبان ، أعطاه إمرة مائة وتقدمة ألف ، ونهى أن يدعى أرغون الصغير ، وسمي أرغون الكاملي . ولما مات الأمير سيف الدين قطليجا الحموي في نيابة حلب ، رسم الملك الناصر حسن له بنيابة حلب ، فوصل إليها يوم الثلاثاء الخامس عشر من شهر رجب الفرد سنة خمسين وسبعمائة ، وعمل النيابة بها على أحسن ما يكون من الحرمة والمهابة ، وخافه التركمان والعرب ، ومشت الأحوال بها ، ولم يزل بها إلى أن جاءه الأمير سيف الدين كجك الدوادار الناصري ، بأن يخرج ويربط الطرقات على أحمد الساقي نائب صفد « 1 » ، فبرز إلى قرنبيا فأرجف بإمساكه ، فهرب منه الأمير شرف الدين موسى الحاجب بحلب وغيره ، ثم إنّ جماعة من الأمراء لحقوا بالحاجب ، وأوقدوا النيران بقلعة حلب ، ودقوا الكوسات ، ونادوا في الناس ؛ لينهبوا طلبه وما معه فتوجه إلى المعرة « 2 » ، وكتب إلى الأمير سيف الدين طاز يرق نائب حماة « 3 » ، فلم يجد عنده فرجا ، فرد طلبه ونقله إلى حلب ، وتوجّه على البرّية

--> ( 1 ) صفد : مدينة في جبال عاملة المطلة على حمص بالشام وهي من جبال لبنان . ( انظر : معجم البلدان : 3 / 412 ) . ( 2 ) المعرة : تسمى معرة النعمان ، والنعمان هو النعمان بن بشير صحابي اجتاز بها فمات له بها ولد فدفنه وأقام عليه فسميت به ، وفي جانب سورها من قبل لد قبر يوشع بن نون عليه السلام . والصحيح أن يوشع بأرض نابلس وبالمعرة أيضا قبر عبد اللّه بن عمار بن ياسر الصحابي ذكر ذلك البلاذري في كتاب فتوح البلدان له . وهي مدينة كبيرة مشهورة من أعمال حمص بين حلب وحماة ومنها أبو العلاء المعرى . ( انظر : معجم البلدان : 5 / 156 ) . ( 3 ) أورد له المصنف ترجمة .