خليل الصفدي
291
أعيان العصر وأعوان النصر
وأرسل منه سحائب الرحمة عليها ، فاجتمع تنكز ، والطنبغا ، والجاي « 1 » ، وأرغون في دمشق في المحرم سنة سبع وعشرين وسبعمائة ، فغرّب ذلك وشرق هذا ، ونفذ سهم القدر بما أراده اللّه تعالى من ذلك نفاذا ، فوصل حلب وأقام بها نائبا إلى سنة تسع وعشرين وسبعمائة ، وطلب الحضور إلى مصر في أواخر هذه السنة ، فأذن له في ذلك ، ولما رآه بكيا طويلا ، وأبدي كل منهما تأسفا وعويلا ، وأقام أياما ثم أعاده إلى نيابة حلب على حاله ، فعاد عود الغيث إلى الروض الذي صوح ، أو البدر الذي ابتدر نوره إلى الساري ولوّح . فلم يزل بها على حاله إلى أن أرغم الموت من أرغون أنفه ، وعدم السمع من ذكر حياته شنفه . وتوفى - رحمه اللّه تعالى - في شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة ، وكان عمره تقديرا بضعا وأربعين سنة ، ودفن بتربة اشتريت له بحلب . كان قد طول في مرضه ، وحسد الناس على سهم أصاب مرمى غرضه ، وجهز السلطان إليه صلاح الدين محمد بن البرهان الطبيب « 2 » من ، وهو الذي كمل سياقة نهر الساجور إلى حلب ، بعد ما كان في ساقه الأمير سيف الدين سودي ، ولم يتفق وصوله - على ما سيأتي في ترجمته ، ويوم دخوله خرج ؛ لتلقّيه هو والأمراء ، وأهل البلد مشاة ، وشعارهم التكبير والتهليل ، حمدا للّه تعالى ، ولم يمكن أحدا من المغاني والمطربين الخروج معهم ، وكان يوما مشهودا ، وخرج الناس بوصوله ، وأحكم عمله ، وسياقه في الجبال والسهول ، واتفق في طريقه وأديان وجبلان ، فبنى على كل واحد من الواديين جسرا ، يعبر الماء عليه ، وأما الجبلان فكان الأول منهما سهلا نقب في مدة يسيرة ، والآخر كان صخرا أصم ، وطول الحفر في هذا الجبل ثلاثمائة ذراع وستون ذراعا ، وأعمق موضع فيه من الجباب طوله ستة عشر ذراعا ، وبعضه محفور على هيئة الخندق ، وبعضه جباب مفقرة ، وكان من هذا القدر نحو عشرين ذراعا ، لا يمكن حفره إلّا بعد حرقه بالنار عدة أيام ، وانتهى عمل هذا الجبل في ثمانية أشهر ، وكان بعد هذا الجبل سهل ، فظهر بالحفر فيه حجارة سود مدوّرة ، لا يمكن كسرها إلّا بالمشقة ، ولما رجع الأمير سيف الدين أرغون إلى المدينة حصل له تشويش ، ومرض ومات - رحمه اللّه تعالى - ، وقيل : إنه قيل له يا خوند باللّه لا تتعرض إلى هذا النهر ؛ فإنه ما تعرض له أحد إلّا ومات ، فقال : أنا أكون فداء المسلمين فيه ، وجعل مشده شخصا من ممالكه اسمه أرغون ، فاتفق ما جرى .
--> ( 1 ) أورد له المصنف ترجمة . ( 2 ) أورد له المصنف ترجمة .