خليل الصفدي
277
أعيان العصر وأعوان النصر
المليحة فغني ، ودأب واجتهد ، وبلغ الذروة واقتعد ، وأسمعه والده من ابن البخاري وطبقته ، وطلب هو بنفسه مع لداته ورفقته ، ومهر وتميّز ، ومال إلى فئة الأشياخ وتحيّز . ولم يزل على حاله إلى أن غسل ابن الصابوني بماء الحمام لا الحمّام ، ورثاه حتى الساجعات على القضب من الحمام . وتوفى - رحمه اللّه تعالى - في مستهلّ شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة . ومولده سنة خمس وسبعين وستمائة . أجاز لي بخطّه في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة بالقاهرة ، وكان مولده بدار الحديث النورية بدمشق ، ومنها كانت على وجهه أنوار ، وفي روض الطروس في خطّه أنوار . 220 - أحمد بن يوسف بن هلال بن أبي البركات « 1 » الشيخ الطبيب شهاب الدين أبو العباس الصفدي . مولده بالشّغر وبكأس ، ثم إنه انتقل إلى صفد ، وبها سمّي ، ثم إنه انتقل إلى مصر ، وخدم في جملة أطباء السلطان والبيمارستان المنصوري . رأيته بالقاهرة غير مرّة واجتمعت به ، وأنشدني من لفظه لنفسه أشعارا كثيرة ، وكان شيخا طوالا أبيض اللحية والحاجب ، لا يرى له عن الفضل حاجب ، قادرا على النظم المحكم السّرد ، قد أثبت على لغم النّظّام « 2 » الجوهر الفرد ، وله قدرة على وضع المشجّرات فيما ينظمه ، ويؤسس بنيانه ويحكمه ، ويبرز أمداح الناس في أشكال أطيار وعمائر وأشجار ، ومآذن وعقد وأخياط ، وصورة مقاتل ونفّاط ، بحيث إنه له في ذلك اليد الطولى ، والقدرة على إظهار الأعاجيب التي تترك النواظر إليها حولا . ولم يزل على حاله إلى أن نزل بالطبيب الداء الذي أعجزه طبّه ، وفارقه بالرّغم خليله وحبّه .
--> ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 1 / 849 ، والوافي بالوفيات : 8 / 295 ، ووفيات ابن رافع : 1 / 316 ، والنجوم : 9 / 317 ، والمنهل الصافي : 2 / 279 . ( 2 ) النظام : هو إبراهيم بن سيار بن هاني البصري أبو إسحاق النظام من أئمة المعتزلة . قال الجاحظ : « الأوائل يقولون في كل ألف سنة رجل لا نظير له فإن صح ذلك فأبو إسحاق من أولئك » تبحر في علوم الفلسفة واطلع على أكثر ما كتبه رجالها من طبيعيين وإلهاميين ، وانفراد بآراء خاصة تابعته فيها فرقة من المعتزلة سميت النظامية نسبة إليه . وفي لسان الميزان أنه متهم بالزندقة وذكروا أن له كتبا في الفلسفة والاعتزال توفى عام 231 ه . ( انظر : تاريخ بغداد : 6 / 97 ، وأمالي المرتضي : 1 / 132 ، وخطط المقريزي : 1 / 46 ، النجوم الزاهرة : 2 / 234 ) .