خليل الصفدي

264

أعيان العصر وأعوان النصر

اللّه ، وفاق شيخه في الكتابة ، وأخذ علم الموسيقى عن الشيخ صفي الدين عبد المؤمن « 1 » ، وأجمع جماعة من أرباب هذا الفن أنه ما أتى بعده مثله . وكان الشيخ شمس الدين المذكور حسن الأخلاق ، كريم النفس في حالتي الغنى والإملاق ، كثير الحيا ، غزير الحبا ، شريف النفس كثير الاتضاع ، ذا مروءة يخاف مدى الدهر ألّا تضاع ، كثير البشاشة سديد المقال ، شديد الحرص على الأشغال والاشتغال ، صاحب رأي وعزم ، ونأي عن الدناءة وحزم ، بليغا فصيحا ، مليّ المحيّا بالقبول مليحا ، لطيفا في حركاته وسكناته ، كثير الرحمة لا يزعج الطير في وكناته ، إماما في الكتابة ، رأسا لهذه العصابة . كتب المصاحف في القطع الكبير والصغير ، وأتى بها كأنها قطع الروض النضير ، رأيت منها أنا جملة وافية ، ودلّتني على محاسنها العين الصافية ، فشاهدت منها ما يودّ فم الثريا لو كان له لاثما ، وشهد عندي أن كاتبه يكون فوق الكواكب جاثما ، لا يطلق اسم الكاتب إلّا عليه إجماعا نصا ، ولا يرضى أن يكون ياقوت في خاتمه فصّا ، فقد زعم كثير أنه كتب أحسن من ياقوت « 2 » ، وأنه لو كان في زمانه لعذر عليه القوت ، وقالوا : إنه كتب بخطه ثمانية وسبعين مصحفا ، وخمس ربعات كل ربعة وقر بعير ، وكتب بخطه أيضا إحياء العلوم للغزالي ، كتب كتاب المصابيح ثلاث نسخ ، وعوارف المعارف « 3 » لجد أبيه ثلاث نسخ ، ومشارق الأنوار للصغاني ثلاث نسخ ، وكتاب الشفا لابن سينا في مجلد ، والمقامات ثلاث نسخ ، ومفصل الزمخشري نسختين ، ونهج البلاغة أربع نسخ ، وكتب من الأحاديث والأدعية ، والدواوين والدروج شيئا كثيرا . وكتب عليه جماعة منهم القان أبو سعيد ، والسلطان أتابك ، والوزير غياث الدين ابن الرشيد ، ونظام الدين بن يحيى بن الحكيم ، وجماعة من أولاد الأئمة والقضاة والوزراء والفضلاء .

--> ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 2 / 418 . ( 2 ) ياقوت الحموي : ياقوت بن عبد اللّه الرومي الحموي أبو عبد اللّه شهاب الدين ، مؤرخ ثقة من أئمة الجغرافيين ، ومن العلماء باللغة والأدب ، أصله من الروم أسر من بلاده صغيرا وبيع في بغداد واشتراه عسكر بن إبراهيم الحموي فرباه وعلمه وشغله ثم أعتقه سنة 596 ه ، فعاش من نسخ الكتب توفى في حلب عام 626 ه . ( انظر : وفيات الأعيان : 2 / 210 ، ومجلة المقتبس : 1 / 489 ، وآداب اللغة : 3 : 88 ، والرحالة المسلمون : 102 ) . ( 3 ) كتاب « عوارف المعارف » أحد المصادر المهمة في التصوف للشيخ الجليل السهروردي .