خليل الصفدي
261
أعيان العصر وأعوان النصر
الأمير سيف الدين أيتمش نائب الشام « 1 » ، فقال قاضي القضاة للنائب : الرأي أن تجهّز واحدا له دربة يتوجه إلى حلب ، ويصلح بينهم ، وعيّنني قاضي القضاة لذلك ، ثم لم يتم ذلك وبطّله من بطّله ، فكتب النائب إلى حلب بمطالعة السلطان ، فكتب فورد المرسوم بعزله ، وتولى القاضي زين الدين أبو حفص « 2 » بها إلى أن مات . ثم إنّ الرياحي سعى في العود إلى حلب فأعيد ، ولم يرجع عن غيّه ، وأقام في قضية الدنيسري ، وكفّره وهمّ بقتله ، وحضرت الفتاوي عليه إلى الأمير سيف الدين بيدمر الخوارزمي « 3 » نائب دمشق من الأمير شهاب الدين القشتمري « 4 » نائب حلب ، فأحضر القضاة إلى دار العدل بدمشق ، ووقفوا على ما كتب في حقّه فوجوده مبطلا ، وكتبوا إليه بالإنكار عليه ، وتوجه غرماؤه إلى مصر ، فسعى ولم ينجح مسعاه إلى أن طعن هو وولداه ، وماتوا في يوم واحد ، عفى اللّه عنه وسامحه . ولقد كنا يوما في دار العدل بحلب في أوائل قدوم الأمير بكتمر المؤمني « 5 » ، فقال النائب يوما كلاما فيه بعض إنكار على القضاة ، فخرج هودون رفاقه ، وقال لنفرة وزعارة : أيش بالقضاة يا أمير ؟ فنفر فيه النائب ، وقال له : ما تتكلم بأدب ! ، ووضع يده على السيف وتوعّد ، فشغلته أنا بقراءة القصص عليه ، فاشتغل بذلك لحظة ، وقال لنقيب النقباء : ناد في الناس من له على هذا القاضي شكوى يحضر ، فحضر في الوقت الحاضر ثلاثة عشر نفرا وشكوا عليه ، فقال له : يا قاضي من يكون هذه سيرته ما يكون هذا نفسه ، ثم عقد له ولهم مجلسا ، ووزّنه لهم مبلغ أربعة عشر ألف درهم . ولما زاد شرّه في المرة الأولى بحلب ، صنع فيه القاضي زين الدين عمر بن الوردي رسالة سمّاها « الحرقة للخرقة » ووصّى ابنه ، قال : إن رجع القاضي عن فعله فاكتمها ، وإن استمر فأظهرها ، فلم يرجع عن غيّه فأظهرها ، وهي نظم ونثر أبدع فيها ، وأتى فيها بكل معنى بديع ، منها قوله - رحمه اللّه تعالى - : ( الرمل ) حاكم يصدر منه * خلف كلّ النّاس حفر يتمنّى كفر كلّ شخص * والرّضا بالكفر كفر
--> ( 1 ) أورد له المصنف ترجمة . ( 2 ) أورد له المصنف ترجمة . ( 3 ) انظر : الذيل التام : 347 ، والدرر الكامنة : 1 / 513 . ( 4 ) شهاب الدين القشتمري هو : قشتمر المنصوري ، قتل سنة 775 ه . ( انظر : الدرر الكامنة : 3 / 249 ) . ( 5 ) بكتمر المؤمني هو : أميرآخور الأشرف ، المتوفى في سنة 771 ه ، ( انظر : الدرر الكامنة : 1 / 488 ) .