خليل الصفدي
233
أعيان العصر وأعوان النصر
وبه قال : أنشدني : ( الرمل ) قلت هل لي من دواء * قد غدا جسمي عليلا قال تسلو عن عليّ * قلت أمّا عن علي لا 189 - أحمد بن محمد بن قلاوون « 1 » السلطان ابن الملك الناصر ابن الملك المنصور . كان أحسن الإخوة شكلا ، وأرجحهم ثباتا في أول أمره وعقلا ، شديد البأس مفرط القوة من غير التباس ، ولم ير أحد ما اتفق له من السعد ، ولا سمع أحد بما قدّر له من التعاسة فيما بعد ، ذهبت أموال الناس وأديانهم وأرواحهم بسببه ، وأجلسوه على كرسي الملك فما طلع في صعد شأنه ، حتى انحطّ في صببه ، ولم يزل في خمول وخمود ، وجدود عفّرت منه الخدود ، وأنزلته بعد الثريّا إلى أخدود ، إلى أن فرّق الحسام بين جسده ورأسه ، ونقله بعد عزّ غابه إلى ذلّ كناسه . وما برح في محبّة الكرك إلى أن وقع منها في وسط المعترك ، وكان في عالم الإطلاق ، فأوقع نفسه منها في الشّرك ، وحطّه الناس في درج الملك ، فما أراد إلّا أن يكون في درك ، وذلك ؛ لأنّ والده أخرجه في أوّل صباه إلى الكرك ، والنائب هناك الأمير سيف الدين بكتمر - رحمه اللّه تعالى - السرجواني ، فأقام بها قليلا ، وجهّز إليه أخويه إبراهيم وأبا بكر المنصور ، فأقاموا بها إلى أن ترعرعوا ، وطلبهم والدهم فأقام إبراهيم وأبو بكر بالقاهرة ، وعاد أحمد إلى الكرك ، ثم إنه طلبه إلى القاهرة ، وزوّجه بابنة الأمير سيف الدين طاير بغا خال السلطان ، وأقام قليلا ، وأعاده بأهله إلى الكرك فوقع بينه وبين الأمير سيف الدين ملكتمر السرجواني فأحضرهما السلطان ، وغضب عليه والده وتركه مقيما بالقاهرة مديدة ، ثم إنه جهّزه إلى الكرك وحده بلا نائب ، فأقام بها إلى أن توفى « 2 » والده ، ولم يسند الأمر بعده إليه ، بل أوصى بالملك للمنصور أبي بكر ، فقام بشتاك في ناصره ، وقام قوصون في ناصر أبي بكر ، وغلب قوصون على إقامة أبي بكر ، فأقام المنصور الملك مدة شهرين ، وخلعه قوصون ، وأقام الأشرف كجك ، وسيّر قوصون يطلب الناصر أحمد إلى القاهرة ، فلم يوافق وكتب في الباطن إلى نواب الشام ، ومقدّمي الألوف يستجير ، ويستعفي من الرواح إلى مصر ، وأظهر الذلّة والمسكنة الزائدة ، فرّقوا له في الباطن ، وحملوا الكتب إلى قوصون
--> ( 1 ) انظر : ابن إياس : 1 / 179 و 182 ، والدرر الكامنة : 1 / 294 ، والبداية والنهاية : 14 / 193 والنجوم الزاهرة : 10 / 50 . ( 2 ) انظر : البداية والنهاية : 14 / 190 .