خليل الصفدي
230
أعيان العصر وأعوان النصر
السنين يصيّف في الشام ، ويشتّي في مصر ، إلّا أنه كان متمزّقا ، إلى الغاية متخرّقا ، في نهاية يكابد شدائد الفقر ، ويصبر من القلة على ما لها في حاله من العقر ، قد زوته الحشيشة في حشّ ، وروته من الطيش في طشّ . ولم يزل على حاله إلى أن جاء الطاعون ، فغسله في جملة ذلك الماعون ، وذلك في سنة تسع وأربعين وسبعمائة بدمشق في مستهل شهر رجب ، وكان له من العمر تقريبا أربعون سنة . أنشدني من لفظه لنفسه : ( الطويل ) ناظر الجامع الكب * ير ظلوم إذا قدر إبله ربّ بالعمى * وأرحه من النّظر قلت له إذ بدا وطلعته * قد أشرقت فوق قامة تامة هب لي مناما فقال كيف وقد * رأيت شمس الضّحى على قامه قلت : هو مأخوذ من قول شمس الدين التلمساني : ( الطويل ) بدا وجهه من فوق أسمر قدّه * وقد لاح من سود الذّوائب في جنح فقلت عجيب كيف لا يذهب الدّجى * وقد طلعت شمس النّهار على رمح وأنشدني من لفظه في العائق الطبّاخ : ( المتقارب ) قد غلب العائق في قوله * لمّا أتى الطّاعون بالحادث قمحيّتي تقتل من يومها * وأنت في يومين ، والثّالث وكتب إليّ ونحن بالقاهرة : ( الكامل ) أيا فاضلا ساد الورى بفضائل * تناهت فما أضحى لهنّ بديل تقمّصت ثوب العلم والحلم والنّدى * فأنت صلاح للورى وخليل ولست خليلا بل خليجا لوارد * غلطت فسامحني فنيلك نيل فكتبت أنا الجواب إليه : ( الطويل ) أيا ابن أبي الخوف الّذي أمنت به * طرائق نظم واستبان دليل فأنت على هذا الزّمان كثير * ورأيك في النّظم البديع جميل