خليل الصفدي

159

أعيان العصر وأعوان النصر

ورتبة في النفوس معظمة ، إلى أن أصبح العابر غابرا ، والمكاثر في تعظيمه لمصابه مكابرا . أخبرني الحافظ أبو الفتح اليعمري « 1 » قال : كنت عنده يوما ، فجاءه إنسان ، وقال : رأيت كأني قد صرت أترجّه ، فقال : أترجه أترجه ، وعدّها على أصابعه خمسة أحرف ، وقال لصاحب الرؤيا : أنت تموت بعد خمسة أيام ، فقال لي بعض من حضر ذكره هو وأنسيته أنا : القاعدة عند أرباب التعبير ، أنه من رأى أنه صار ثمرة تؤكل فإنه يموت ، وهذه زيادة من عنده ، يعني عدّ حروف الأترجة . وأخبرني الشيخ الحافظ علاء الدّين مغلطاي شيخ الحديث بالظاهرية بين القصرين ، قال : جاء إليه إنسان ، فقال : رأيت في منامي قائلا يقول : اشرب شراب الهكاري ففكر ساعة ، وقال : أنت فؤادك يؤلمك ، قال : نعم قال : اشرب لك عسلا تبرأ ، قال : فقيل له : من أين لك ذلك ؟ قال : فكرت في أنهم يقولون : شراب ديناري ، كذا شراب كذا فلم أجد لهم شرابا يوصف بالهكاري ، فرجعت إلى الحروف ، فوجدتها شراب الهك أري ، والأري هو العسل ، وذكرت الحديث « كذب عليك العسل » أو كما قال ، وهذا ذكاء مفرط ، وذهن يشوب التعجب بالتحيّر ويخلط . وحكى لي عنه القاضي بهاء الدين أبو بكر بن غانم موقع صفد وطرابلس قال : كنا عنده بدمشق ، وجاء إليه اثنان ، فقال أحدهما : رأيت رؤيا وقصّها ، فقال : ما رأيت شيئا ، وإنما تريد الامتحان ، فخرجا بعد ما اعترفا ، فقلنا له : من أين لك هذا ؟ قال : لما تكلّم رأيت في ذيل أحدهما نقطة دم ، فذكرت الآية : وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ [ يوسف : 18 ] ، فاتفق أن رأيت أحدهما فيما بعد ، فسألته عن القضية فقال : لما اجتزنا عليه ، ذكرنا أمره الغريب ، وقلنا : نمتحنه وصنعنا رؤيا للوقت ، فكان ما سمعت ، فقلت له : إنه قال : كذا وكذا ، فقال : صدق ونحن داخلون إليكم كان إنسان في الطريق يذبح فروجا ، فرمي به فلوثنا الدم . وحكى لي عنه أيضا ، قال : جاء إليه إنسان ، وقال : رأيت كأن في داري شجرة يقطين قد نبتت ، فقال له : أعندك جارية غير الزوجة ؟ قال : نعم ، قال : بعني إياها ، فقال : ما هذا ؟ قال : الذي تسمعه ، قال : إنها ملك زوجتي ، قال : فقل لها تبيعني إياها ، فراح وعاد يقول : إنها لم تبعها ، فقال : تكسب مائتي درهم فعاد ، وقال : لم تبعها ، فألحّ عليها فقال : إنها لم تبعها ، فقال : أما الآن فقد آن تعبير رؤياك ، امض إلى هذه الجارية واعتبرها ، فتوجّه وعاد ، وقال : إنه كان عبدا ، وزوجتي تكتمني أمره ، وتلبسه لباس النساء .

--> ( 1 ) أورد له المصنف ترجمة .