خليل الصفدي

138

أعيان العصر وأعوان النصر

طلب الإقالة ، فأعفي من نظر الشام ، وتوجه إلى مصر وأقام مدة ، ودخل ديوان الإنشاء ، وأقام به إلى أن أمسك الوزير علم الدين بن زنبور ، فتولى نظر الجيش بالديار المصرية فحقّق ودقّق ، وما أرعى أحدا ، ولما عزل القاضي بدر الدين من نظر الخاص ، وقال : معلوم نظر الجيش يكفيني وباشر ذلك ، وهو على قدم العدالة فيه والأمانة وعدم الخيانة ، إلى أن تولى السلطان الناصر حسن ثانيا ، فغيّروا خواطره عليه ، فأمسكه وصودر وعوقب ، وتنوّعوا في عقابه ، ومن ذلك أنهم حلقوا رأسه وجرحوه بالموس ، ثم جعلوا في قبعه نبات وردان وألبسوه ، فوجد لذلك ألما مبرّحا ، نسأل اللّه العفو والعافية . وكان ذلك من حقد الأمراء والخاصكيّة عليه ؛ لأنه ما راعاهم بل راعهم ، ولم يحفظ جانبهم ، وكنت قد كتبت له - رحمه اللّه - وأنا بالقاهرة توقيعا شريفا باستيفاء المارستان المنصوري ؛ عوضا عن أخيه شمس الدين وهو : « أما بعد حمد اللّه الذي زان أيامنا الشريفة بتاجها ، ومنحه من السيادة طريقة لا تنكب السعود عن منهاجها ، وخصّه بمناقب فرائدها اتساق اللآلي المنظمة في ازدواجها ، وأحله من المعالي رتبة تحسدها الكواكب المشرقة في شرف أبراجها ، وصلاته على سيدنا محمد الذي حضّ على المعروف وحث ، وأذاع الجميل للناس كافة وبث ، ونشر لواء الثناء على المحسنين وتمّم مكارم الأخلاق فجدّد منها ما كان قد بلي ورمّ مارث ، وعلى آله وصحبه الّذين ما منهم إلّا من له الفضل المستوفى والجود الأوفى ، صلاة يكون الرضوان لها حلفا ، وتبوّئهم عند اللّه منازل الزّلفى ، وسلامه . فإنه لما كان البيمارستان المنصوري ، وقف والدنا الشهيد الملك المنصور - قدّس اللّه روحه ، ونوّر بالرضوان ضريحه - أجلّ القربات نفعا ، وأخصب المثوبات مرعى ، يجري نفع أوقافه على الخاص والعام ، وينفق من حواصله في اليوم ما ينفق من غيرها في العام ، وتخفق رايات الآيات الكريمة في أرجائه ، وتنشر أعلام العلوم في أثنائه ، ويزول به الإعدام والإيلام ، فكان حاتميا في حيّه ، والمسيح في إحيائه ، إلى غير ذلك من وجوه المعروف ، وأنواع البر المصروف ، وكان استيفاؤه يحتاج إلى من جرّب سداده ، وعلم رشاده ، وعرف اعتماده ، وكان الحساب ميدانا ، وهو سابقه وجواده . والمجلس السامي القضائي التاجي ممن زانت أيامنا خدمه ، ورسخت في ولائنا قدمه ، حتى أصبح بالمحامد متحليا ، ولأقسام المحاسن مستوفيا ، يصحبه ركابنا الشريف في الحضر والسفر ، ويتصف بسيادة أخجلت الأفق ، فالشفق المحمرّ فيه علامة الخفر ، وقد رأينا أن لا تنبت في الروض إلّا قبضه المرموقة ، ولا تطلع في الأفق إلّا شمسه المشرقة ، ولهذا رجع إليه حق الشّفة ، وانتهى وأحسن ما خلقت الدرة في السلك أختها ، فلذلك رسم بالأمر