خليل الصفدي

12

أعيان العصر وأعوان النصر

فقد ذكرت فيه جماعة رأيتهم وما رأيتهم ، ودانيتهم « 1 » حق المصاحبة وما دانيتهم ، ورثّت حبال صبري التي ورثتها لمّا رثيتهم ، ممّن انتفعت بعلومهم ، ورفعت بين نجومهم ، وشركت بعضهم في ماله ، وتركت النظر إلى البدر لأنه ما فاز بمثل جماله ، ولا حاز مثل كماله . من بحر ( الخفيف ) ومعاذ الإله أن أتعزّى * عنه طول الزّمان أو أتسلّى فكم فيمن ذكرته من جرّعني ما غصّص ، وجرّعني دواء الصبر وقلّص وتقدّم أمامي ، وهو يقودني إلى حفرتي بزمامي ، وغادرني بعده وحيدا ، وأخذ حظّي معه وراح . وأهل هذا العصر يريدون شيئا جديدا ، وللّه در أبو عبادة البحتري « 2 » حيث يقول في رثاء المتوكل ووزيره الفتح بن خاقان « 3 » . من بحر ( الطويل ) أأطلب أنصارا على الدّهر بعد ما * ثوى منهما في التّرب أوسيّ وخزرجي مضوا أمما قبلي وخلّفت بعدهم * أخاطب بالتّأمير والي مسنج واللّه أسأل أن يجمعنا في دار كرامته ، ويمدّ علينا ظلّ لطفه ورحمته ويجرينا على ما ألفناه وألّفناه من نعمته . وإن أستطع في الحشر جئتك زائرا * وهيهات لي يوم القيامة أشغال اعترضت بهذه الجملة ، وزدت همّ القلب هذه الحملة ، فإنها من المصدور نفثة ، واستراحة في نصف الطريق ممّن أعيا ولبثة . وأعود إلى ما كنت فيه ، وأفي له بحقّه وأوفّيه ، فأقول : وقد كنت رأيت فيما وقفت عليه من أخبار الوزير أبي الوليد أحمد بن زيدون المغربي أنّه لمّا كان بقرطبة وزيرا توفيت ابنته ولما

--> ( 1 ) دانيتهم : اقتربت منهم ، وسميت الدنيا لدنوها والجمع الدّنا وبينهما دناوة : أي قرابة أو قرب ، والدّني : القريب وفي الحديث « إذا أكلتم فدنوا أي كلوا مما يليكم » . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 89 ) . ( 2 ) البحتري هو : الوليد بن عبيد بن يحيى الطائي أبو عبادة البحتري شاعر كبير يقال لشعره « سلاسل العرب » أو « سلاسل الذهب » ولد عام 206 ه ، له ديوان شعر وكتاب الحماسة وغير ذلك توفى عام 284 ه . ( انظر : تاريخ بغداد : 13 / 446 ، ومفتاح السعادة : 1 / 193 ) . ( 3 ) الفتح بن خاقان هو : الفتح بن خاقان بن أحمد أبو محمد ، أديب شاعر فارسي الأصل ، وألف كتابا سماه « اختلاف الملوك » وكانت له خزانه كتب حافلة . وقتل مع المتوكل سنة 247 ه . ( انظر : ابن النديم : 1 / 116 ، والمرزباني : 318 ) .